تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
وشعري شعري وقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « من كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله » لأن ذلك فيما ليس في مفاد الثاني منه شيء زائد على مفاد ما قبله بخلاف ما في الآية فإن فيها القصر . وكذلك القول في
وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
وزيد في جانب الخاسرين الفصل باسم الإشارة لزيادة الاهتمام بتمييزهم بعنوان الخسران تحذيرا منه ، فالقصر فيه مؤكد . وجمع الوصف في الثاني مراعاة لمعنى ( من ) الشرطية ، وإنما روعي معنى ( من ) الثانية دون الأولى ؛ لرعاية الفاصلة ولتبين أن ليس المراد ب ( من ) الأولى مفردا . وقد علم من مقابلة الهداية بالإضلال ، ومقابلة المهتدي بالخاسر أن المهتدي فائز رابح فحذف ذكر ربحه إيجازا . والخسران استعير لتحصيل ضد المقصود من العمل كما يستعار الربح لحصول الخير من العمل كما تقدم عند قوله تعالى :
وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
في هذه السورة [ 9 ] ، وفي قوله :
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
في سورة البقرة [ 16 ] . [ 179 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 179 ]

وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 179 ) عطف على جملة :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا
[ الأعراف : 175 ] ، والمناسبة أن صاحب القصة المعطوف عليها انتقل من صورة الهدى إلى الضلال ، لأن اللّه لما خلقه خلقه ليكون من أهل جهنم ، مع ما لها من المناسبة للتذييل الذي ختمت به القصة وهو قوله :
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي
[ الأعراف : 178 ] الآية . وتأكيد الخبر بلام القسم وبقد ؛ لقصد تحقيقه لأن غرابته تنزل سامعه خالي الذهن منه منزلة المتردد في تأويله ، ولأن المخبر عنهم قد وصفوا ب
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها
- إلى قوله -
بَلْ هُمْ أَضَلُّ
، والمعني بهم المشركون ، وهم ينكرون أنهم في ضلال ويحسبون أنهم يحسنون صنعا ، وكانوا يحسبون أنهم أصحاب أحلام وأفهام ، ولذلك قالوا
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 357 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور