تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
لأنهم شابهوه في أنهم أتوا القرآن فكذبوا به ، فكانت حالهم كحال ذلك المكذب ، والأظهر أن تكون الإشارة إلى المثل في قوله :
كَمَثَلِ الْكَلْبِ
أي حال الكلب المذكورة كحال المشركين المكذبين في أنهم كانوا يودون معرفة دين إبراهيم ، ويتمنون مساواة أهل الكتاب في العلم والفضل ، فكانوا بذلك في عناء وحيرة في الجاهلية فلما جاءهم رسول منهم بكتاب مبين انتقلوا إلى عناء معاندته كقوله تعالى :
أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ
[ الأنعام : 157 ] وهذا تأويل ما روي عن عبادة بن الصامت أن آية
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا
إلى آخرها نزلت في قريش . وفرع على ذلك الأمر بقوله :
فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
أي أقصص هذه القصة وغيرها ، وهذا تذييل للقصة الممثل بها يشملها وغيرها من القصص التي في القرآن ، فإن في القصص تفكرا وموعظة ، فيرجى منه تفكرهم وموعظتهم ، لأن للأمثال واستحضار النظائر شأنا عظيما في اهتداء النفوس بها وتقريب الأحوال الخفية إلى النفوس الذاهلة أو المتغافلة ، لما في التنظير بالقصة المخصوصة من تذكر مشاهدة الحالة بالحواس ، بخلاف التذكير المجرد عن التنظير بالشيء المحسوس . [ 177 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 177 ]

ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ ( 177 ) جملة مستأنفة لأنها جعلت إنشاء ذم لهم ، بأن كانوا في حالة شنيعة وظلموا أنفسهم . والظلم هنا على حقيقته فإنهم ظلموا أنفسهم بما أحلّوه بها من الكفر الذي جعلهم مذمومين في الدنيا ومعذبين في الآخرة . وتقديم المفعول للاختصاص ، أي ما ظلموا إلا أنفسهم ، وشأن العاقل أن لا يؤذي نفسه ، وفيه إزالة تبجحهم بأنهم لم يتبعوا محمدا صلى اللّه عليه وسلّم ظنا منهم أن ذلك يغيظه ويغيظ المسلمين ، وإنما يضرون أنفسهم . وجملة :
وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ
يجوز أن تكون معطوفة على الصلة باعتبار أنهم معروفون بمضمون هذه الجملة عند النبي والمسلمين ، ويجوز أن تكون معطوفة على جملة :
ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ
فتكون تذييلا للجملة التي قبلها إخبارا عنهم بأنهم في تكذيبهم ، وانتفاء من القصص ما ظلموا إلا أنفسهم . وقوله :
كانُوا يَظْلِمُونَ
أقوى في إفادة وصفهم بالظلم من أن يقال : وظلموا أنفسهم ، كما تقدم في قوله تعالى :
وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
في سورة الأنعام [ 75 ] .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 355 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور