تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
غير الحق ، ويجوز كونه عطف بيان من ميثاق ، فلا يقدر حرف جر ، والتقدير : ميثاق الكتاب انتفاء قولهم على اللّه إلخ . وفعل
دَرَسُوا
عطف على
يُؤْخَذْ
، . لأن يؤخذ في معنى المضي ، لأجل دخول لم عليه ، والتقدير : ألم يؤخذ ويدرسوا ، لأن المقصود تقريرهم بأنهم درسوا الكتاب ، لا الإخبار عنهم بذلك كقوله تعالى :
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً
- إلى قوله -
وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً
[ النبأ : 6 - 14 ] والتقدير : ومخلقكم أزواجا ونجعل نومكم سباتا ، إلى آخر الآية . والمعنى : أنهم قد أخذ عليهم الميثاق بأن لا يقولوا على اللّه إلّا الحق ، وهم عالمون بذلك الميثاق ، لأنهم درسوا ما في الكتاب فبمجموع الأمرين قامت عليهم الحجة . وجملة :
وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
حالية من ضمير
يَأْخُذُونَ
أي : يأخذون ذلك ويكذبون على اللّه ويصرون على الذنب وينبذون ميثاق الكتاب على علم في حال أن الدار الآخرة خير مما تعجّلوه ، وفي جعل الجملة في موضع الحال تعريض بأنهم يعلمون ذلك أيضا فهم قد خيّروا عليه عرض الدنيا قصدا ، وليس ذلك عن غفلة صادفتهم فحرمتهم من خير الآخرة ، بل هم قد حرموا أنفسهم ، وقرينة ذلك قوله :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
المتفرع على قوله :
وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
وقد نزلوا في تخيرهم عرض الدنيا بمنزلة من لا عقول لهم ، فخوطبوا ب
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
بالاستفهام الإنكاري ، وقد قرئ بتاء الخطاب ، على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب . ليكون أوقع في توجبه التوبيخ إليهم مواجهة ، وهي قراءة نافع ، وابن عامر ، وابن ذكوان ، وحفص عن عاصم ، ويعقوب ، وأبي جعفر ، وقرأ البقية بياء الغيبة ، فيكون توبيخهم تعريضيا . وفي قوله :
وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
كناية عن كونهم خسروا خير الآخرة بأخذهم عرض الدنيا بتلك الكيفية ، لأن كون الدار الآخرة خيرا مما أخذوه يستلزم أن يكون ما أخذوه قد أفات عليهم خير الآخرة . وفي جعل الآخرة خير للمتقين كناية عن كون الذين أخذوا عرض الدنيا بتلك الكيفية لم يكونوا من المتقين ، لأن الكناية عن خسرانهم خير الآخرة مع إثبات كون خير الآخرة للمتقين تستلزم أن الذين أضاعوا خير الآخرة ليسوا من المتقين ، وهذه معان كثيرة جمعها قوله :
وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
وهذا من حد الإعجاز العجيب .