تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
المغفرة يتعدّى لمفعول واحد ، وأما المجرور بعده باللام فهو في معنى المفعول لأجله ، يقال : غفر اللّه لك ذنبك ، كما قال تعالى :
أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
[ الشرح : 1 ] فلو بني شرح للمجهول لما صح أن يجعل
لَكَ
نائبا عن الفاعل . وجملة :
وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا
معطوفة على جملة ،
يَأْخُذُونَ
لأن كلا الخبرين يوجب الذم ، واجتماعهما أشد في ذلك . وجملة :
وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ
معطوفة على التي قبلها ، واستعير إتيان العرض لبذله لهم إن كان المراد بالعرض المال ، وقد يراد به خطور شهوته في نفوسهم إن كان المراد بالعرض جميع الشهوات والملاذ المحرمة ، واستعمال الإتيان في الذوات أنسب من استعماله في خطور الأعراض والأمور المعنوية ، لقرب المشابهة في الأول دون الثاني . والمعنى : أنهم يعصون ، ويزعمون أن سيّئاتهم مغفورة ، ولا يقلعون عن المعاصي . وجملة :
أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ
جواب عن قولهم :
سَيُغْفَرُ لَنا
إبطالا لمضمونه ، لأن قولهم :
سَيُغْفَرُ لَنا
يتضمن أنهم يزعمون أن اللّه وعدهم بالمغفرة على ذلك ، والجملة معترضة في أثناء الإخبار عن الصالحين وغيرهم ، والمقصود من هذه الجملة إعلام النبي صلى اللّه عليه وسلّم ليحجهم بها ، فهم المقصود بالكلام . كما تشهد به قراءة
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
بتاء الخطاب . والاستفهام للتقرير المقصود منه التوبيخ ، وهذا التقرير لا يسعهم إلّا الاعتراف به ، لأنه صريح كتابهم ، في الإصحاح الرابع من السفر الخامس « لا تزيدوا على الكلام الذي أوصيكم به ولا تنقصوا منه لكي تحفظوا وصايا الرب » ولا يجدون في الكتاب أنهم يغفر لهم ، وإنما يجدون فيه التوبة كما في الإصحاح من سفر التثنية ، وكما في سفر الملوك الأول في دعوة سليمان حين بنى الهيكل في الإصحاح الثامن ، فقولهم :
سَيُغْفَرُ لَنا
تقوّل على اللّه بما لم يقله . والميثاق : العهد ، وهو وصية موسى التي بلّغها إليهم عن اللّه تعالى في مواضع كثيرة ، وإضافة الميثاق إلى الكتاب على معنى ( في ) أو على معنى اللام أي الميثاق المعروف به ، والكتاب توراة موسى ، وأن لا يقولوا هو مضمون ميثاق الكتاب فهو على حذف حرف الجر قبل ( أن ) الناصبة ، والمعنى : بأن لا يقولوا ، أي بانتفاء قولهم على اللّه