تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
بكونه رسولا من اللّه ، وذلك قطع لمعذرة النصارى في التردد في الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلّم واقتضى أن الرسول يؤمن بأن عيسى كلمة اللّه ، وليس ابن اللّه ، وفي ذلك بيان للإيمان الحق ، ورد على اليهود فيما نسبوه إليه ، ورد على النصارى فيما غلوا فيه . والقول في معنى الاتّباع تقدم ، وكذلك القول في نحو
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
. [ 159 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 159 ]

وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ( 159 )
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى
عطف على قوله :
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا
[ الأعراف : 148 ] الآية ، فهذا تخصيص لظاهر العموم الذي في قوله :
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى
[ الأعراف : 148 ] قصد به الاحتراس لئلا يتوهم أن ذلك قد عمله قوم موسى كلّهم ، وللتنبيه على دفع هذا التوهم ، قدّم
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى
على متعلقه . وقوم موسى هم أتباع دينه من قبل بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلّم فمن بقي متمسكا بدين موسى ، بعد بلوغ دعوة الإسلام إليه ، فليس من قوم موسى ، ولكن يقال هو من بني إسرائيل أو من اليهود ، لأن الإضافة في
قَوْمِ مُوسى
تؤذن بأنهم متبعو دينه الذي من جملة أصوله ترقب مجيء الرسول الأمي صلى اللّه عليه وسلّم . و
أُمَّةٌ
: جماعة كثيرة متفقة في عمل يجمعها ، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى :
أُمَّةً واحِدَةً
في سورة البقرة [ 213 ] ، والمراد أن منهم في كل زمان قبل الإسلام . و
يَهْدُونَ بِالْحَقِّ
أي يهدون الناس من بني إسرائيل أو من غيرهم ببث فضائل الدين الإلهي ، وهو الذي سماه اللّه بالحق ويعدلون أي يحكمون حكما لا جور فيه . وتقديم المجرور في قوله :
وَبِهِ يَعْدِلُونَ
للاهتمام به ولرعاية الفاصلة ، إذ لا مقتضي لإرادة القصر ، بقرينة قوله :
يَهْدُونَ بِالْحَقِّ
حيث لم يقدم المجرور ، والمعنى : إنهم يحكمون بالعدل على بصيرة وعلم ، وليس بمجرد مصادفة الحق عن جهل ، فإن القاضي الجاهل إذا قضى بغير علم كان أحد القاضيين اللذين في النار ، ولو صادف الحق ، لأنه بجهله قد استخف بحقوق الناس ولا تنفعه مصادفة الحق ؛ لأن تلك المصادفة لا عمل له فيها . [ 160 ]