تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
وشدة شريعتهم . وذكر الإنجيل هنا لأنه منزل لبني إسرائيل ، وقد آمن به جمع منهم ومن جاء بعدهم من خلفهم ، وقد أعلم اللّه موسى بهذا . والمكتوب في التوراة هو ما ذكرناه آنفا ، والمكتوب في الإنجيل بشارات جمة بمحمد صلى اللّه عليه وسلّم ، وفي بعضها التصريح بأنه يبعث بعثة عامة ، ففي إنجيل متّى في الإصحاح الرابع والعشرين « ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ويضلون كثيرون ، ولكن الذي يصبر إلى المنتهى ( أي يدوم شرعه إلى نهاية العالم ) فهذا يخلص ويكرز « 1 » ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم ثم يأتي المنتهى » ( أي منتهى الدنيا ) ، وفي إنجيل يوحنا في الإصحاح الرابع عشر « وإما المعزّي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم » ( ومعنى باسمي أي بمماثلتي وهو كونه رسولا مشرعا لا نبيّا مؤكدا ) . وتقدم ذكر التوراة والإنجيل في أول سورة آل عمران . وجملة :
يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ
قال أبو علي الفارسي : « هي بيان للمكتوب عندهم ولا يجوز أن تكون حالا من ضمير
يَجِدُونَهُ
لأن الضمير راجع للذكر والاسم . والذكر والاسم لا يأمران » أي فتعين كون الضمير مجازا ، وكون الآمر بالمعروف هو ذات الرسول لا وصفه وذكره ، ولا شك أن المقصود من هذه الصفات تعريفهم بها ؛ لتدلهم على تعيين الرسول الأمي عند مجيئه بشريعة هذه صفاتها . وقد جعل اللّه المعروف والمنكر ، والطيبات ، والخبائث ، والإصر والأغلال متعلقات لتشريع النبي الأمي وعلامات ، فوجب أن يكون المراد منها ما يتبادر من معاني ألفاظها للأفهام المستقيمة . فالمعروف شامل لكل ما تقبله العقول والفطر السليمة ، والمنكر ضده ، وقد تقدم بيانهما عند قوله تعالى :
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
في سورة آل عمران [ 104 ] .
هامش
( 1 ) وقعت كلمة ( يكرز ) في ترجمة الإنجيل للآباء اليسوعيين وأريد بها ( يتنبّأ ) ولا أعرف لها أصلا في العربية .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 315 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور