تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
الأصحاح التاسع من ذلك السفر ، وذكرناه آنفا في تفسير قوله :
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا
، ثم ذكر في الإصحاح العاشر أمرهم بالتقوى بقوله : « فالآن يا إسرائيل ما يطلب منك الرب إلا أن تتقي ربك لتسلك في طرقه وتحبه » . ثم ذكر فيه وفي الثلاثة بعده وصايا تفصيلا للتقوى ، ثم ذكر في الأصحاح الرابع عشر الزكاة فقال « تعشيرا تعشر كل محصول زرعك سنة بسنة عشر حنطتك وخمرك وزيتك وأبكار بقرك وغنمك ، وفي آخر ثلاث سنين تخرج كل عشر محصولك في تلك السنة فتضعه في أبوابك فيأتي اللاوي والغريب واليتيم والأرملة الذين على أبوابك فيأكلون ويشبعون » إلخ . ثم ذكر أحكاما كثيرة في الإصحاحات الثلاثة بعده . ثم في الإصحاح الثامن عشر قوله : « يقيم لك الرب نبيا ومن وسط أخواتك مثلي له تسمعون حسب كل ما طلبت من الرب في حوريب ( أي جبل الطور حين المناجاة ) يوم الاجتماع قال لي الرب أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به » فدل هذا على أن هذا النبي من غير بني إسرائيل لقوله : « من وسط إخوتك » فإن الخطاب لبني إسرائيل ، ولا يكونون إخوة لأنفسهم . وإخوتهم هم أبناء أخي أبيهم : إسماعيل أخي إسحاق ، وهم العرب ، ولو كان المراد به نبيئا من بني إسرائيل مثل ( صمويل ) كما يؤوله اليهود لقال : من بينكم أو من وسطكم ، وعلم أن النبي رسول بشرع جديد من قوله : « مثلك » فإن موسى كان نبيا رسولا ، فقد جمع القرآن ذلك كله في قوله :
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ
إلخ . ومن نكت القرآن الجمع في هذه الآية بين وصفي النبوة والرسالة للإشارة إلى أن اليهود بدّلوا وصف الرسول ، وعبروا عنه بالنبيء ، ليصدق على أنبياء ليصدق على أنبياء بني إسرائيل ، وغفلوا عن مفاد قوله مثلك ، وحذفوا وصف الأمي ، وقد كانت هذه الآية سبب إسلام الحبر العظيم الأندلسي السموأل بن يحيى اليهودي ، كما حكاه عن نفسه في كتابه الذي سماه « غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود » . فهذه الرحمة العظيمة تختص بالذين آمنوا بالنبيء صلى اللّه عليه وسلّم من اليهود والنصارى ، وتشمل الرسل والأنبياء الذين أخذ اللّه عليهم العهد بالإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلّم فكانوا عالمين ببعثته يقينا فهم آمنوا به ، وتنزلوا منزلة من اتبع ما جاء به ، لأنهم استعدوا لذلك ، وتشمل المسلمين من العرب وغيرهم غير بني إسرائيل ، لأنهم ساروا من آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام من اليهود في اتباع الرسول النبي الأمي .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 313 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور