تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
نزع الخافض . والأمر يكون بمعنى التكليف وهو ما أمرهم اللّه به : من المحافظة على الشريعة ، وانتظار رجوعه ، فلم يتموا ذلك واستعجلوا فبدلوا وغيروا ، ويجوز أن يكون بمعنى سبق أي بادرتم فيكون الأمر بمعنى الشأن أي الغضب والسخط كقوله :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
[ النحل : 1 ] وقوله :
حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ
[ هود : 40 ] فالأمر هو الوعيد ، فإن اللّه حذرهم من عبادة الأصنام وتوعدهم ، فكان الظن بهم إن وقع منهم ذلك إن يقع بعد طول المدة ، فلما فعلوا ما نهوا عنه بحدثان عهد النهي ، جعلوا سابقين له على طريقة الاستعارة : شبهوا في مبادرتهم إلى أسباب الغضب والسخط بسبق السابق المسبوق ، وهذا هو المعنى الأوضح ، ويوضحه قوله ، في نظير هذه القصة في سورة طه [ 86 ] ، حكاية عن موسى :
قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي
. وقد تعرضت التوراة إلى شيء من هذا المعنى في الإصحاح الثاني والثلاثين من سفر الخروج « وقال اللّه لموسى رأيت هذا الشّعب فإذا هو شعب صلب الرقبة فالآن اتركني ليحمي غضبي عليهم فأفنيهم » . وإلقاء الألواح رميها من يده إلى الأرض ، وقد تقدم بيان الإلقاء آنفا . وذلك يؤذن بأنه لما نزل من المناجاة كانت الألواح في يده كما صرح به في التوراة . ثم إن إلقاءه إياها إنما كان إظهارا للغضب ، أو أثرا من آثار فوران الغضب لما شاهدهم على تلك الحالة ، وما ذكر القرآن ذلك الإلقاء إلّا للدلالة على هذا المعنى إذ ليس فيه من فوائد العبرة في القصة إلّا ذلك ، فلا يستقيم قول من فسرها بأن الإلقاء لأجل إشغال يده بجرّ رأس أخيه ، لأن ذكر ذلك لا جرور فيه ، ولأنه لو كان كذلك لعطف ، وأخذ برأس أخيه بالفاء . وروي أن موسى عليه السلام كان في خلقه ضيق ، وكان شديدا عند الغضب ، ولذلك وكز القبطي فقضى عليه ، ولذلك أخذ برأس أخيه يجره إليه ، فهو دليل على فظاعة الفعل الذي شاهده من قومه ، وذلك علامة على الفظاعة ، وتشنيع عليهم ، وليس تأديبا لهم ، لأنه لا يكون تأديبهم بإلقاء ألواح كتب فيها ما يصلحهم ، لأن ذلك لا يناسب تصرف النبوءة ( ولذلك جزمنا بأن إعراض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عن كتابة الكتاب الذي همّ بكتابته قبيل وفاته لم يكن تأديبا للقوم على اختلافهم عنده ، كما هو ظاهر قول ابن عباس ، بل إنما كان ذلك لما رأى من اختلافهم في ذلك ، فرأى أن الأولى ترك كتابته ، إذ لم يكن الدين محتاجا