ما سقط في أيديهم إلّا بعد أن رجع موسى ورأوا فرط غضبه وسمعوا توبيخه أخاه وإيّاهم ، وإنما خولف مقتضى الترتيب تعجيلا بذكر ما كان لاتخاذهم العجل من عاقبة الندامة وتبين الضلالة ، موعظة للسامعين لكيلا يعجلوا في التحول عن سنتهم ، حتى يتبينوا عواقب ما هم متحولون إليه .
و
سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ
مبني للمجهول ، كلمة أجراها القرآن مجرى المثل إذا أنظمت على إيجاز بديع وكناية واستعارة ، فإن اليد تستعار للقوة والنصرة إذ بها يضرب بالسيف والرمح ، ولذلك حين يدعون على أنفسهم بالسوء يقولون : « شلّت من يديّ الأنامل » ، وهي آلة القدرة قال تعالى :
ذَا الْأَيْدِ
[ ص : 17 ] ، ويقال : ما لي بذلك يد ، أو ما لي بذلك يدان أي لا أستطيعه ، والمرء إذا حصل له شلل في عضد ولم يستطع تحريكه يحسن أن يقال : سقط في يده ساقط ، أي نزل به نازل .
ولما كان ذكر فاعل السقوط المجهول لا يزيد على كونه مشتقا من فعله ، ساغ أن يبنى فعله للمجهول فمعنى « سقط في يده » سقط في يده ساقط فأبطل حركة يده ، إذ المقصود أن حركة يده تعطلت بسبب غير معلوم ، إلّا بأنه شيء دخل في يده فصيّرها عاجزة عن العمل وذلك كناية عن كونه قد فجأه ما أوجب حيرته في أمره ، كما يقال : فت في ساعده .
وقد استعمل في الآية في معنى الندم وتبيّن الخطأ لهم ، فهو تمثيل لحالهم بحال من سقط في يده حين العمل . فالمعنى أنهم تبين لهم خطأهم وسوء معاملتهم ربهم ونبيهم ، فالندامة هي معنى التركيب كله ، وأما الكناية فهي في بعض أجزاء المركب وهو سقط في اليد ، قال ابن عطية « وحدثت عن أبي مروان بن سراج « 1 » » أنه كان يقول قول العرب :
سقط في يده مما أعياني معناه ، وقال الزجاج هو نظم لم يسمع قبل القرآن ، ولم تعرفه العرب .
قلت وهو القول الفصل ، فإني لم أره في شيء من كلامهم قبل القرآن ، فقول ابن سراج : قول العرب سقط في يده ، لعله يريد العرب الذين بعد القرآن .
والمعنى لما رجع موسى إليهم وهددهم وأحرق العجل كما ذكر في سورة طه ،
هامش
( 1 ) عبد الملك بن سراج بن عبد اللّه بن محمد بن سراج مولى بني أمية من أهل قرطبة من بيت علم ولد سنة 400 وتوفي 489 . أخذ عن أبيه سراج وأخذ عنه ابنه أبو الحسين سراج بن عبد الملك .