تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
لَفاسِقِينَ
. ومعنى قولهن :
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ
مثل ذلك الطبع العجيب المستفاد من حكاية استمرارهم على الكفر ، والمؤذن به فعل
يَطْبَعُ
، وقد تقدم نظائره غير مرة ، منها عند قوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
في سورة البقرة [ 143 ] . وتقدم معنى الطبع عند قوله تعالى :
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
في سورة النساء [ 155 ] . وإظهار المسند إليه في جملة
يَطْبَعُ اللَّهُ
دون الإضمار : لما في إسناد الطبع إلى الاسم العلم من صراحة التنبيه على أنه طبع رهيب لا يغادر للهدى منفذا إلى قلوبهم كقوله تعالى :
هذا خَلْقُ اللَّهِ
[ لقمان : 11 ] دون أن يقول : هذا خلقي ، ولهذا اختير له الفعل المضارع الدال على استمرار الختم وتجدده . والقلوب : العقول ، والقلب ، في لسان العرب : من أسماء العقل ، وتقدم عند قوله تعالى :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
في سورة البقرة [ 7 ] . والتعريف في
الْكافِرِينَ
تعريف الجنس ، مفيد للاستغراق ، أي : جميع الكافرين ممن ذكر وغيرهم . وفي قوله :
وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
إلى آخر الآية ، تسلية لمحمد صلى اللّه عليه وسلّم بأن ما لقيه من قومه هو سنّة الرسل السابقين ، وأن ذلك ليس لتقصير منه ، ولا لضعف آياته ، ولكنه للختم على قلوب كثير من قومه . وعطفت جملة :
وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ
على جملة :
وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ
وما رتب عليها من قوله :
فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ
تنبيها على رسوخ الكفر من نفوسهم بحيث لم يقلعه منهم لا ما شاهدوه من البينات ، ولا ما وضعه اللّه في فطرة الإنسان من اعتقاد وجود إله واحد وتصديق الرسل الداعين إليه ، ولا الوفاء بما عاهدوا عليه الرسل عند الدعوة : إنهم إن أتوهم بالبينات يؤمنون بها . والوجدان في الموضعين مجاز في العلم ، فصار من أفعال القلوب ، ونفيه في الأول كناية عن انتفاء العهد بالمعنى المقصود ، أي وفائه ، لأنه لو كان موجودا لعلمه من شأنه أن يعلمه ويبحث عنه عند طلب الوفاء به ، لا سيما والمتكلم هو الذي لا تخفى عليه خافية كقوله :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً
[ الأنعام : 145 ] الآية ، أي لا محرم إلّا ما ذكر ،
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 219 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور