تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
الشّمول ، فالسّامع يعلم أنّ المراد من القرية أهلها لأنّ العبرة والموعظة إنّما هي بما حصل لأهل القرية ، ونظيرها قوله تعالى :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها
[ يوسف : 82 ] ونظيرهما معا قوله :
ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ
[ الأنبياء : 6 ] ، فكلّ هذا من الإيجاز البديع ، والمعنى على تقدير المضاف ، وهو تقدير معنى . وأجرى الضّميران في قوله :
أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا
على الإفراد والتّأنيث مراعاة للفظ قرية ، ليحصل التماثل بين لفظ المعاد ولفظ ضميره في كلام متّصل القرب ، ثمّ أجريت ضمائر القرية على صيغة الجمع في الجملة المفرعة عن الأولى في قوله :
أَوْ هُمْ قائِلُونَ فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ
إلخ لحصول الفصل بين الضّمير ولفظ معاده بجملة فيها ضمير معاده غير لفظ القرية ، وهو
بَأْسُنا بَياتاً
لأنّ ( بياتا ) متحمّل لضمير البأس ، أي مبيّتا لهم ، وانتقل منه إلى ضمير القرية باعتبار أهلها فقال :
أَوْ هُمْ قائِلُونَ فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ
. و ( كم ) اسم حال على عدد كثير وهو هنا خبر عن الكثرة وتقدّم في أوّل سورة الأنعام . والإهلاك : الإفناء والاستئصال . وفعل
أَهْلَكْناها
يجوز أن يكون مستعملا في معنى الإرادة بحصول مدلوله ويجوز أن يكون مستعملا في ظاهر معناه . والفاء في قوله :
فَجاءَها بَأْسُنا
عاطفة جملة :
فَجاءَها بَأْسُنا
على جملة :
أَهْلَكْناها
، وأصل العاطفة أن تفيد ترتيب حصول معطوفها بعد حصول المعطوف عليه ، ولما كان مجيء البأس حاصلا مع حصول الإهلاك أو قبله ، إذ هو سبب الإهلاك ، عسر على جمع من المسفّرين معنى موقع الفاء هنا ، حتّى قال الفرّاء إنّ الفاء لا تفيد التّرتيب مطلقا ، وعنه أيضا إذا كان معنى الفعلين واحدا أو كالواحد قدّمت أيّهما شئت مثل شتمني فأساء وأساء فشتمني . وعن بعضهم أنّ الكلام جرى على طريقة القلب ، والأصل : جاءها بأسنا فأهلكناها ، وهو قلب خلي عن النّكتة فهو مردود ، والذي فسّر به الجمهور : أنّ فعل ( أهلكناها ) مستعمل في معنى إرادة الفعل كقوله تعالى :
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ
[ النحل : 98 ] وقوله :
إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
[ المائدة : 6 ] الآية أي فإذا أردت القراءة ، وإذا أردتم القيام إلى الصّلاة ، واستعمال الفعل في معنى إرادة وقوع معناه من المجاز المرسل عند السكاكي قال : ومن أمثلة المجاز قوله تعالى :
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
[ النحل : 98 ] استعمل
قَرَأْتَ
مكان أردت القراءة لكون القراءة مسبّبة عن إرادتها استعمالا مجازيا بقرينة الفاء في
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
، وقوله :
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ