تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
فيها ، لأنّ ذينك من الأفعال القابلة للتّكرير ، بخلاف الكفر فإنّه ليس من الأفعال ، ولكنّه من الانفعالات ، ونظير ذلك قوله تعالى :
يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ
[ الشورى : 19 ] . [ 46 ، 47 ]

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 46 إلى 47 ]

وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ ( 46 ) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 47 ) تقديم
وَبَيْنَهُما
وهو خبر على المبتدأ للاهتمام بالمكان المتوسّط بين الجنّة والنّار وما ذكر من شأنه . وبهذا التّقديم صحّ تصحيح الابتداء بالنّكرة ، والتّنكير للتّعظيم . وضمير
بَيْنَهُما
يعود إلى لفظي الجنّة والنّار الواقعين في قوله
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ
[ الأعراف : 44 ] وهما اسما مكان ، فيصلح اعتبار التّوسّط بينهما . وجعل الحجاب فصلا بينهما . وتثنية الضّمير تعيّن هذا المعنى ، ولو أريد من الضّمير فريقا أهل الجنّة وأهل النّار ، لقال : بينهم ، كما قال في سورة الحديد [ 13 ]
فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ
الآية . والحجاب : سور ضرب فاصلا بين مكان الجنّة ومكان جهنّم ، وقد سمّاه القرآن سورا في قوله :
فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ
في سورة الحديد [ 13 ] ، وسمّي السور حجابا لأنّه يقصد منه الحجب والمنع كما سمّي سورا باعتبار الإحاطة . والأعراف : جمع عرف - بضمّ العين وسكون الرّاء ، وقد تضمّ الرّاء أيضا - وهو أعلى الشّيء ومنه سمّي عرف الفرس ، الشّعر الذي في أعلى رقبته ، وسمّي عرف الدّيك . الرّيش الذي في أعلى رأسه . و ( أل ) في
الْأَعْرافِ
للعهد . وهي الأعراف المعهودة التي تكون بارزة في أعالي السّور . ليرقب منها النظّارة حركات العد وليشعروا به إذا داهمهم . ولم يسبق ذكر للأعراف هنا حتّى تعرّف بلام العهد ، فتعيّن أنّها ما يعهده النّاس في الأسوار . أو يجعل ( أل ) عوضا عن المضاف إليه : أي وعلى أعراف السّور . وهما وجهان في نظائر هذا التّعريف كقوله تعالى :
فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
[ النازعات : 41 ] وأيّا ما كان فنظم الآية يأبى أن يكون المراد من الأعراف مكانا مخصوصا يتعرّف منه أهل الجنّة وأهل النّار ، إذ لا وجه حينئذ لتعريفه مع عدم سبق الحديث عنه .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 108 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور