تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
بها في مدّة الحياة الأولى . فبالموت تنتهي أحوال الإنسان فيستقر اتّصاف نفسه بما عاشت عليه ، وفي الحديث : « يبعث كلّ عبد على ما مات عليه » رواه مسلم ، ويجوز أن تكون هذه اللّعنة كانت الملائكة يلعنونهم بها في الدّنيا . فجهروا بها في الآخرة ، لأنّها صارت كالشّعار للكفرة ينادون بها ، وهذا كما جاء في الحديث : « يؤتى بالمؤذّنين يوم القيامة يصرخون بالأذان » مع أنّ في ألفاظ الأذان ما لا يقصد معناه يومئذ وهو : « حيّ على الصّلاة حيّ على الفلاح » . وفي حكاية ذلك هنا إعلام لأصحاب هذه الصّفات في الدّنيا بأنّهم محقوقون بلعنة اللّه تعالى . والمراد بالظّالمين : المشركون ، وبالصدّ عن سبيل اللّه : إمّا تعرّض المشركين للراغبين في الإسلام بالأذى والصّرف عن الدّخول في الدّين بوجوه مختلفة ، وسبيل اللّه ما به الوصول إلى مرضاته وهو الإسلام ، فيكون الصدّ مرادا به المتعدي إلى المفعول . وإما إعراضهم عن سماع دعوة الإسلام وسماع القرآن ، فيكون الصدّ مرادا به القاصر ، الذي قيل : إنّ مضارعه بكسر الصّاد ، أو إن حق مضارعه كسر الصّاد ، إذ قيل لم يسمع مكسور الصّاد ، وإن كان القياس كسر الصّاد في اللّازم وضمها في المتعدي . والضّمير المؤنّث في قوله :
وَيَبْغُونَها
عائد إلى
سَبِيلِ اللَّهِ
. لأنّ السّبيل يذكّر ويؤنّث قال تعالى :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي
[ يوسف : 108 ] وقال :
وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا
[ الأعراف : 146 ] . والعوج : ضدّ الاستقامة ، وهو بفتح العين في الأجسام : وبكسر العين في المعاني . وأصله أن يجوز فيه الفتح والكسر . ولكن الاستعمال خصّص الحقيقة بأحد الوجهين والمجاز بالوجه الآخر ، وذلك من محاسن الاستعمال ، فالإخبار عن السبيل - ( عوج ) إخبار بالمصدر للمبالغة ، أي ويرومون ويحاولون إظهار هذه السّبيل عوجاء ، أي يختلقون لها نقائص يموّهونها على النّاس تنفيرا عن الإسلام كقولهم :
هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ
[ سبأ : 7 ، 8 ] ، وتقدّم تفسيره عند قوله تعالى :
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً
في سورة آل عمران [ 99 ] . وورد وصفهم بالكفر بطريق الجملة الاسميّة في قوله :
وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ
للدّلالة على ثبات الكفر فيهم وتمكّنه منهم ، لأنّ الكفر من الاعتقادات العقليّة التي لا يناسبها التّكرّر ، فلذلك خولف بينه وبين وصفهم بالصدّ عن سبيل اللّه وبغي إظهار العوج
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 107 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور