تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
فوجه عدم محبّة اللّه إيّاهم أنّ الإفراط في تناول اللّذّات والطّيّبات ، والإكثار من بذل المال في تحصيلها ، يفضي غالبا إلى استنزاف الأموال والشّره إلى الاستكثار منها ، فإذا ضاقت على المسرف أمواله تطلب تحصيل المال من وجوه فاسدة ، ليخمد بذلك نهمته إلى اللّذات ، فيكون ذلك دأبه ، فربّما ضاق عليه ماله ، فشقّ عليه الإقلاع عن معتاده ، فعاش في كرب وضيق ، وربّما تطلّب المال من وجوه غير مشروعة ، فوقع فيما يؤاخذ عليه في الدّنيا أو في الآخرة ، ثمّ إنّ ذلك قد يعقب عياله خصاصة وضنك معيشة . وينشأ عن ذلك ملام وتوبيخ وخصومات تفضي إلى ما لا يحمد في اختلال نظام العائلة . فأمّا كثرة الإنفاق في وجوه البرّ فإنّها لا توقع في مثل هذا ، لأنّ المنفق لا يبلغ فيها مبلغ المنفق لمحبّة لذّاته ، لأنّ داعي الحكمة قابل للتأمّل والتّحديد بخلاف داعي الشّهوة . ولذلك قيل في الكلام الّذي يصحّ طردا وعكسا : « لا خير في السّرف ، ولا سرف في الخير » وفي معنى هذه الآية قوله في سورة الأعراف [ 31 ] :
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
[ الأعراف : 31 ] وقول النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم « ويكره لكم قيل وقال وكثرة السّؤال وإضاعة المال » . [ 142 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 142 ]

وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 142 ) عطف :
حَمُولَةً
على :
جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ
[ الأنعام : 141 ] أي : وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشا ، فينسحب عليه القصر الّذي في المعطوف عليه ، أي هو الّذي أنشأ من الأنعام حمولة وفرشا لا آلهة المشركين ، فكان المشركون ظالمين في جعلهم للأصنام حقّا في الأنعام . و ( من ) في قوله :
وَمِنَ الْأَنْعامِ
ابتدائيّة لأنّ الابتداء معنى يصلح للحمولة وللفرش لأنّه أوسع معاني ( من ) . والمجرور : إمّا متعلّق ب
أَنْشَأَ
[ الأنعام : 141 ] ، وإمّا حال من
حَمُولَةً
أصلها صفة فلمّا قدمت تحوّلت . وأيّا ما كان فتقديم المجرور على المفعول الّذي هو أولى بالتّقديم في ترتيب المتعلّقات ، أو تقديم الصّفة على الموصوف ، لقصد الاهتمام بأمر الأنعام ، لأنّها المقصود الأصلي من سياق الكلام ، وهو إبطال تحريم بعضها ، وإبطال جعل نصيب منها للأصنام ، وأمّا الحمل والفرش فذلك امتنان أدمج في المقصود توفيرا للأغراض ، ولأنّ للامتنان