تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
جذاذها ، هو قطعها لادّخارها ، وأمّا حصاد الزّرع فهو قطع السّنبل من جذور الزّرع ثمّ يفرك الحبّ الّذي في السّنبل ليدّخر ، فاعتبر ذلك الفرك بقيّة للحصاد . ويظهر من هذا أنّ الحقّ إنّما وجب فيما يحصد من المذكورات مثل الزّبيب والتّمر والزّرع والزّيتون ، من زيته أو من حبّه ، بخلاف الرمّان والفواكه . وعلى القول المختار : فهذه الآية غير منسوخة ، ولكنّها مخصّصة ومبيّنة بآيات أخرى وبما يبيّنه النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم ، فلا يتعلّق بإطلاقها ، وعن السدّي أنّها نسخت بآية الزّكاة يعني :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً
[ التوبة : 103 ] وقد كان المتقدّمون يسمّون التّخصيص نسخا . وقوله :
وَلا تُسْرِفُوا
عطف على
كُلُوا
، أي : كلوا غير مسرفين . والإسراف والسّرف : تجاوز الكافي من إرضاء النّفس بالشّيء المشتهى . وتقدّم عند قوله تعالى :
وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً
في سورة النّساء [ 6 ] . وهذا إدماج للنّهي عن الإسراف ، وهو نهي إرشاد وإصلاح ، أي : لا تسرفوا في الأكل وهذا كقوله :
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا
[ الأعراف : 31 ] . والإسراف إذا اعتاده المرء حمله على التّوسّع في تحصيل المرغوبات ، فيرتكب لذلك مذمّات كثيرة ، وينتقل من ملذّة إلى ملذّة فلا يقف عند حدّ . وقيل عطف على
وَآتُوا حَقَّهُ
أي ولا تسرفوا فيما بقي بعد إتيان حقّه فتنفقوا أكثر ممّا يجب ، وهذا لا يكون إلّا في الإنفاق والأكل ونحوه ، فأمّا بذله في الخير ونفع النّاس فليس من السّرف ، ولذلك يعدّ من خطأ التّفسير : تفسيرها بالنّهي عن الإسراف في الصّدقة ، وبما ذكروه أنّ ثابت بن قيس صرم خمسمائة نخلة وفرّق ثمرها كلّه ولم يدخل منه شيئا إلى منزله ، وأنّ الآية نزلت بسبب ذلك . وقوله :
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
استئناف قصد به تعميم حكم النّهي عن الإسراف . وأكّد بأن لزيادة تقرير الحكم ، فبيّن أنّ الإسراف من الأعمال التي لا يحبّها ، فهو من الأخلاق الّتي يلزم الانتهاء عنها ، ونفي المحبّة مختلف المراتب ، فيعلم أنّ نفي المحبّة يشتدّ بمقدار قوّة الإسراف ، وهذا حكم مجمل وهو ظاهر في التّحريم ، وبيان هذا الإجمال هو في مطاوي أدلّة أخرى والإجمال مقصود . ولغموض تأويل هذا النّهي وقوله :
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
تفرّقت آراء المفسّرين في تفسير معنى الإسراف المنهي عنه ، ليعينوه في إسراف حرام ، حتّى قال بعضهم : إنّها منسوخة ، وقد علمت المنجى من ذلك كلّه .