مع إظهار الآيات لهم ، أي لا يؤمنون ، ويزيدهم ذلك جهلا على جهلهم ، فيكون المراد بالجهل ضدّ الحلم ، لأنّهم مستهزءون ، وإسناد الجهل إلى أكثرهم لإخراج قليل منهم وهم أهل الرأي والحلم فإنّهم يرجى إيمانهم ، لو ظهرت لهم الآيات ، وبهذا التّفسير يظهر موقع الاستدراك .
فضمير
يَجْهَلُونَ
عائد إلى المشركين لا محالة كبقية الضّمائر التي قبله .
[ 112 ]
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 112 ]
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ( 112 )
اعتراض قصد منه تسلية الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم والواو واو الاعتراض ، لأنّ الجملة بمنزلة الفذلكة ، وتكون للرّسول صلى اللّه عليه وسلّم تسلية بعد ذكر ما يحزنه من أحوال كفار قومه ، وتصلّبهم في نبذ دعوته ، فأنبأه اللّه : بأنّ هؤلاء أعداؤه ، وأن عداوة أمثالهم سنة من سنن اللّه تعالى في ابتلاء أنبيائه كلّهم ، فما منهم أحد إلّا كان له أعداء ، فلم تكن عداوة هؤلاء للنبي عليه الصلاة والسلام بدعا من شأن الرّسل . فمعنى الكلام : ألست نبيئا وقد جعلنا لكلّ نبيء عدوّا - إلى آخره .
والإشارة بقوله :
وَكَذلِكَ
إلى الجعل المأخوذ من فعل
جَعَلْنا
كما تقدّم في قوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
[ البقرة : 143 ] . فالكاف في محل نصب على أنّه مفعول مطلق لفعل
جَعَلْنا
.
وقوله :
عَدُوًّا
مفعول
جَعَلْنا
الأوّل ، وقوله :
لِكُلِّ نَبِيٍّ
المجرور مفعول ثان ل
جَعَلْنا
وتقديمه على المفعول الأول للاهتمام به ، لأنّه الغرض المقصود من السّياق ، إذ المقصود الإعلام بأنّ هذه سنّة اللّه في أنبيائه كلّهم ، فيحصل بذلك التّأسّي والقدوة والتّسلية ؛ ولأن في تقديمه تنبيها - من أول السمع - على أنه خبر ، وأنه ليس متعلّقا بقوله :
عَدُوًّا
كيلا يخال السّامع أنّ قوله :
شَياطِينَ الْإِنْسِ
مفعول لأنّه يحوّل الكلام إلى قصد الإخبار عن أحوال الشّياطين ، أو عن تعيين العدوّ للأنبياء من هو ، وذلك ينافي بلاغة الكلام .
و
شَياطِينَ
بدل من
عَدُوًّا
وإنّما صيغ التّركيب هكذا : لأنّ المقصود الأوّل الإخبار بأنّ المشركين أعداء للرّسول صلى اللّه عليه وسلّم ، فمن أعرب
شَياطِينَ
مفعولا لجعل و
لِكُلِّ نَبِيٍّ
ظرفا لغوا متعلّقا ب
عَدُوًّا
فقد أفسد المعنى .