تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
والإسلام وأنّ أولياءهم من شياطين الإنس والجن غير مفلتين من المؤاخذة على نبذ الإسلام . بله أتباعهم ودهمائهم . فذكر الجنّ مع الإنس في قوله :
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
يوم القيامة لتبكيت المشركين وتحسيرهم على ما فرط منهم في الدّنيا من عبادة الجنّ أو الالتجاء إليهم ، على حدّ قوله تعالى :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ
[ الفرقان : 17 ] وقوله :
وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ المائدة : 116 ] . والقصّ كالقصص : الإخبار ، ومنه القصّة للخبر ، والمعنى : يخبرونكم الأخبار الدالّة على وحدانيّة اللّه وأمره ونهيه ووعده ووعيده ، فسمّى ذلك قصّا ؛ لأنّ أكثره أخبار عن صفات اللّه تعالى وعن الرّسل وأممهم وما حلّ بهم وعن الجزاء بالنّعيم أو العذاب . فالمراد من الآيات آيات القرآن والأقوال الّتي فيفهمها الجنّ بإلهام ، كما تقدّم آنفا ، ويفهمها الإنس ممّن يعرف العربيّة مباشرة ومن لا يعرف العربيّة بالتّرجمة . والإنذار : الإخبار بما يخيف ويكره ، وهو ضدّ البشارة ، وتقدّم عند قوله تعالى :
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً
في سورة البقرة [ 119 ] ، وهو يتعدّى إلى مفعول بنفسه وهو الملقى إليه الخبر ، ويتعدّى إلى الشّيء المخبر عنه : بالباء ، وبنفسه ، يقال : أنذرته بكذا وأنذرته كذا ، قال تعالى :
فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى
[ الليل : 14 ] ،
فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً
[ فصلت : 13 ] ،
وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ
[ الشورى : 7 ] ولمّا كان اللّقاء يوم الحشر يتضمّن خيرا لأهل الخير وشرّا لأهل الشرّ ، وكان هؤلاء المخاطبون قد تمحّضوا للشرّ ، جعل إخبار الرّسل إيّاهم بلقاء ذلك اليوم إنذارا لأنّه الطّرف الّذي تحقّق فيهم من جملة إخبار الرّسل إيّاهم ما في ذلك اليوم وشرّه . ووصف اليوم باسم الإشارة في قوله :
يَوْمِكُمْ هذا
لتهويل أمر ذلك بما يشاهد فيه ، بحيث لا تحيط العبارة بوصفه ، فيعدل عنها إلى الإشارة كقوله :
هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ
[ الطور : 14 ] . ومعنى قولهم :
شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا
الإقرار بما تضمّنه الاستفهام من إتيان الرّسل إليهم ، وذلك دليل على أن دخول حرف النّفي في جملة الاستفهام ليس المقصود منه إلّا قطع المعذرة وأنّه أمر لا يسع المسؤول نفيه ، فلذلك أجملوا الجواب :
قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا
، أي أقررنا بإتيان الرّسل إلينا . واستعملت الشّهادة في معنى الإقرار لأنّ أصل الشّهادة الإخبار عن أمر تحقّقه المخبر وبيّنه ، ومنه :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ