تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
للظّالمين فقد جعلهم ظالمين بالأخرة ، قال تعالى :
وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ
[ هود : 113 ] وقال :
بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
[ المائدة : 51 ] . ويقال : ولّى ، بمعنى جعل واليا ، فيتعدّى إلى مفعولين من باب أعطى أيضا ، يقال : ولّى عمر أبا عبيدة الشّام ، كما يقال : أولاه ، لأنّه يقال : ولي أبو عبيدة الشّام ، ولذلك قال المفسّرون : يجوز أن يكون معنى :
نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً
نجعل بعضهم ولاة على بعض ، أي نسلّط بعضهم على بعض ، والمعنى أنّه جعل الجنّ وهم ظالمون مسلّطين على المشركين ، والمشركون ظالمون ، فكلّ يظلم بمقدار سلطانه . والمراد : بالظالمين في الآية المشركون ، كما هو مقتضى التّشبيه في قوله :
وَكَذلِكَ
. وقد تشمل الآية بطريق الإشارة كلّ ظالم ، فتدلّ على أنّ اللّه سلّط على الظالم من يظلمه ، وقد تأوّلها على ذلك عبد اللّه بن الزبير أيّام دعوته بمكّة فإنّه لمّا بلغه أنّ عبد الملك بن مروان قتل عمرا بن سعيد الأشدق بعد أن خرج عمرو عليه ، صعد المنبر فقال : « ألا إنّ ابن الزّرقاء - يعني عبد الملك بن مروان ؛ لأنّ مروان كان يلقّب بالأزرق وبالزرقاء لأنّه أزرق العينين - قد قتل لطيم الشّيطان « 1 »
وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
. ومن أجل ذلك قيل : إن لم يقلع الظّالم عن ظلمه سلّط عليه ظالم آخر . قال الفخر : إن أراد الرّعيّة أن يتخلّصوا من أمير ظالم ؛ فليتركوا الظّلم . وقد قيل : وما ظالم إلّا سيبلى بظالم وقوله :
بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
الباء للسببية ، أي جزاء على استمرار شركهم . والمقصود من الآية الاعتبار والموعظة ، والتّحذير مع الاغترار بولاية الظّالمين . وتوخي الأتباع صلاح المتبوعين . وبيان سنّة من سنن اللّه في العالمين . [ 130 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 130 ]

يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ( 130 )
هامش
( 1 ) كلمة ينبّز بها عمرو بن سعيد لاعوجاج في شدقه فلقّبوه الأشدق ، وقالوا : لطمه الشّيطان .