والخوف ، قال تعالى :
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا
[ التوبة : 52 ] وقد حصل الأمران يوم بدر ويوم أحد ، فهلكت سادة المشركين ، وفي الآخرة بإهانتهم بين أهل المحشر ، وعذابهم في جهنم . ومعنى
عِنْدَ اللَّهِ
أنّه صغار مقدّر عند اللّه ، فهو صغار ثابت محقّق ، لأنّ الشّيء الّذي يجعله اللّه تعالى يحصل أثره عند النّاس كلّهم ، لأنّه تكوين لا يفارق صاحبه ، كما
ورد في الحديث : « إنّ اللّه إذا أحبّ عبدا أمر جبريل فأحبّه ثمّ أمر الملائكة فأحبّوه ثمّ يوضع له القبول عند أهل الأرض »
، فلا حاجة إلى تقدير ( من ) في قوله :
عِنْدَ اللَّهِ
، ولا إلى جعل العندية بمعنى الحصول في الآخرة كما درج عليه كثير من المفسّرين .
والباء في :
بِما كانُوا يَمْكُرُونَ
سببيّة . و ( ما ) مصدريّة : أي بسبب مكرهم ، أي فعلهم المكر ، أو موصولة : أي بسبب الّذي كانوا يمكرونه ، على أنّ المراد بالمكر الاسم ، فيقدر عائد منصوب هو مفعول به محذوف .
[ 125 ]
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 125 ]
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 125 )
الفاء مرتّبة الجملة الّتي بعدها على مضمون ما قبلها من قوله :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
[ الأنعام : 122 ] وما ترتّب عليه من التّفاريع والاعتراض . وهذا التّفريع إبطال لتعلّلاتهم بعلّة
حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ
[ الأنعام : 124 ] ، وأنّ اللّه منعهم ما علّقوا إيمانهم على حصوله ، فتفرّع على ذلك بيان السّبب المؤثّر بالحقيقة إيمان المؤمن وكفر الكافر ، وهو : هداية اللّه المؤمن ، وإضلاله الكافر ، فذلك حقيقة التّأثير ، دون الأسباب الظّاهرة ، فيعرف من ذلك أنّ أكابر المجرمين لو أوتوا ما سألوا لما آمنوا ، حتّى يريد اللّه هدايتهم إلى الإسلام ، كما قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ
كلمات
رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
[ يونس : 96 ، 97 ] - وكما قال :
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الأنعام : 111 ] .
والهدى إنّما يتعلّق بالأمور النّافعة : لأنّ حقيقته إصابة الطريق الموصّل للمكان المقصود ، ومجازه رشاد العقل ، فلذلك لم يحتج إلى ذكر متعلّقه هنا لظهور أنّه الهدى