تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
واستمراره . ولمّا جاء في المذنبين فعل يكسبون المتعدي إلى الإثم ، جاء في صلة جزائهم بفعل ( يقترفون ) ، لأنّ الاقتراف إذا أطلق فالمراد به اكتساب الإثم كما تقدّم آنفا في قوله تعالى :
وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ
[ الأنعام : 113 ] . [ 121 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 121 ]

وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ( 121 ) جملة :
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ
معطوفة على جملة :
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ
[ الأنعام : 118 ] . و ( ما ) في قوله :
مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ
موصولة ، وما صدق الموصول هنا : ذكيّ ، بقرينة السّابق الّذي ما صدقه ذلك بقرينة المقام . ولمّا كانت الآية السّابقة قد أفادت إباحة أكل ما ذكر اسم اللّه عليه ، وأفهمت النّهي عمّا لم يذكر اسم اللّه عليه ، وهو الميتة ، وتمّ الحكم في شأن أكل الميتة والتفرقة بينها وبين ما ذكّي وذكر اسم اللّه عليه ، ففي هذه الآية أفيد النّهي والتّحذير من أكل ما ذكر اسم غير اللّه عليه . فمعنى :
لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ
: أنّه ترك ذكر اسم اللّه عليه قصدا وتجنّبا لذكره عليه ، ولا يكون ذلك إلّا لقصد أن لا يكون الذّبح للّه ، وهو يساوي كونه لغير اللّه ، إذ لا واسطة عندهم في الذكاة بين أن يذكروا اسم اللّه أو يذكروا اسم غير اللّه ، كما تقدّم بيانه عند قوله :
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ
[ الأنعام : 118 ] . وممّا يرشّح أنّ هذا هو المقصود قوله هنا :
وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ
وقوله في الآية الآتية :
أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ
[ الأنعام : 145 ] ، فعلم أنّ الموصوف بالفسق هنا : هو الّذي وصف به هنالك ، وقيد هنالك بأنّه أهلّ لغير اللّه به ، وبقرينة تعقيبه بقوله :
وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
لأنّ الشّرك إنّما يكون بذكر أسماء الأصنام على المذكّى ، ولا يكون بترك التّسمية . وربّما كان المشركون في تحيّلهم على المسلمين في أمر الذكاة يقتنعون بأن يسألوهم ترك التّسمية ، بحيث لا يسمّون اللّه ولا يسمّون للأصنام ، فيكون المقصود من الآية : تحذير المسلمين من هذا التّرك المقصود به التمويه ، وأن يسمّى على الذّبائح غير أسماء آلهتهم . فإن اعتددنا بالمقصد والسّياق ، كان اسم الموصول مرادا به شيء معيّن ، لم يذكر اسم اللّه عليه ، فكان حكمها قاصرا على ذلك المعيّن ، ولا تتعلّق بها مسألة وجوب التّسمية