تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
عَلَيْهِ
أي فأنبأهم اللّه بإبطال قياس المشركين المموّه بأنّ الميتة أولى بالأكل ممّا قتله الذّابح بيده ، فأبدى اللّه للنّاس الفرق بين الميتة والمذكّى ، بأنّ المذكّى ذكر اسم اللّه عليه ، والميتة لا يذكر اسم اللّه عليها ، وهو فارق مؤثّر . وأعرض عن محاجة المشركين لأنّ الخطاب مسوق إلى المسلمين لإبطال محاجّة المشركين فآل إلى الرد على المشركين بطريق التعريض . وهو من قبيل قوله في الردّ على المشركين ، في قولهم :
إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا
[ البقرة : 275 ] ، إذ قال :
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا
[ البقرة : 275 ] كما تقدّم هنالك ، فينقلب معنى الاستفهام في قوله :
وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا
إلى معنى : لا يسوّل لكم المشركون أكل الميتة ، لأنّكم تأكلون ما ذكر اسم اللّه عليه ، هذا ما قالوه وهو تأويل بعيد عن موقع الآية . وقوله :
وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ
جملة في موضع الحال مبيّنة لما قبلها ، أي لا يصدّكم شيء من كلّ ما أحلّ اللّه لكم ، لأنّ اللّه قد فصّل لكم ما حرّم عليكم فلا تعدوه إلى غيره . فظاهر هذا أنّ اللّه قد بيّن لهم ، من قبل ، ما حرّمه عليهم من المأكولات ، فلعلّ ذلك كان بوحي غير القرآن ، ولا يصحّ أن يكون المراد ما في آخر هذه السّورة من قوله :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً
[ الأنعام : 145 ] الآية ، لأنّ هذه السّورة نزلت جملة واحدة على الصّحيح ، كما تقدّم في ديباجة تفسيرها ، فذلك يناكد أن يكون المتأخّر في التّلاوة متقدّما نزوله ، ولا أن يكون المراد ما في سورة المائدة [ 3 ] في قوله :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
لأنّ سورة المائدة مدنيّة بالاتّفاق ، وسورة الأنعام هذه مكّيّة بالاتّفاق . وقوله :
إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ
استثناء من عائد الموصول ، وهو الضّمير المنصوب ب
حَرَّمَ
، المحذوف لكثرة الاستعمال ، و
ما
موصولة ، أي إلّا الّذي اضطررتم إليه ، فإنّ المحرّمات أنواع استثني منها ما يضطرّ إليه من أفرادها فيصير حلالا . فهو استثناء متّصل من غير احتياج إلى جعل
ما
في قوله :
مَا اضْطُرِرْتُمْ
مصدريّة . وقرأ نافع ، وحمزة ، والكسائي ، وعاصم ، وأبو جعفر ، وخلف :
وَقَدْ فَصَّلَ
ببناء الفعل للفاعل . وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر بالبناء للمجهول . وقرأ نافع ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر :
ما حَرَّمَ
بالبناء للفاعل ، وقرأه الباقون : بالبناء للمجهول . والمعنى في القراءات فيهما واحد . والاضطرار تقدّم بيانه في سورة المائدة .
وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ
.