المقاولة .
والفاء فصيحة تؤذن بكلام مقدّر هو شرط ، والتّقدير : فإن كان قولكم لمجرّد اتّباع الظنّ والخرص وسوء التّأويل فللّه الحجّة البالغة . وتقديم المجرور على المبتدأ لإفادة الاختصاص ، أي : للّه لا لكم ، ففهم منه أنّ حجّتهم داحضة .
والحجّة : الأمر الذي يدلّ على صدق أحد في دعواه وعلى مصادفة المستدلّ وجه الحقّ ، وتقدّم القول فيها عند قوله تعالى :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ
في سورة البقرة [ 150 ] .
والبالغة هي الواصلة : أي الواصلة إلى ما قصدت لأجله ، وهو غلب الخصم ، وإبطال حجّته ، كقوله تعالى :
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ
[ القمر : 5 ] ، فالبلوغ استعارة مشهورة لحصول المقصود من الشّيء فلا حاجة إلى إجراء استعارة مكنيّة في الحجّة بأن تشبّه بسائر إلى غاية ، وقرينتها إثبات البلوغ ، ولا حاجة أيضا إلى جعل إسناد البلوغ إلى الحجّة مجازا عقليا ، أي بالغا صاحبها قصده ، لأنّه لا محيص من اعتبار الاستعارة في معنى البلوغ ، فالتّفسير به من أوّل وهلة أولى ، والمعنى : للّه الحجّة الغالبة لكم ، أي وليس استدلالكم بحجّة .
والفاء في قوله :
فَلَوْ شاءَ
فاء التّفريع على ظهور حجّة اللّه تعالى عليهم : تفرع على بطلان استدلالهم أنّ اللّه لو شاء لهداهم ، أي لو شاء هدايتهم بأكثر من إرسال الرّسول عليه الصّلاة والسّلام بأن يغيّر عقولهم فتأتي على خلاف ما هيّئت له لكان قد فعل ذلك بوجه عناية خاصّة بهم أو خارق عادة لأجلهم ، إذ لا يعجزه شيء ، ولكن حكمته قضت أن لا يعمّم عنايته بل يختصّ بها بعض خاصّته ، وأن لا يعدل عن سنّته في الهداية بوضع العقول وتنبيهها إلى الحقّ بإرسال الرّسل ونصب الأدلّة والدّعاء إلى سبيله بالحكمة والموعظة ، فالمشيئة المقصودة في قوله :
فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ
غير المشيئة المقصودة فيما حكى اللّه عنهم من قولهم :
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا
[ الأنعام : 148 ] وإلّا لكان ما أنكر عليهم قد أثبت نظيره عقب الإنكار فتتناقض المحاجّة ، لأنّ الهداية تساوي عدم الإشراك وعدم التحريم ، فلا يصدق جعل كليهما جوابا للو الامتناعيّة ، فالمشيئة المقصودة في الردّ عليهم هي المشيئة الخفيّة المحجوبة ، وهي مشيئة التّكوين ، والمشيئة المنكرة عليهم هي ما أرادوه من الاستدلال بالواقع على الرّضى والمحبّة . هذا وجه تفسير هذه الآية التي كلّلها من الإيجاز ما شتّت أفهاما كثيرة في وجه تفسيرها لا يخفى بعدها عن مطالع التّفاسير