وشاءه منهم مشيئة رضى ، فكذلك الأمم قبلهم كذّبوا رسلهم مستندين إلى هذه الشبهة فسمّى اللّه استدلالهم هذا تكذيبا ، لأنّهم ساقوه مساق التّكذيب والإفحام ، لا لأنّ مقتضاه لا يقول به الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم والمسلمون ، فإنّا نقول ذلك كما قال تعالى :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا
[ الأنعام : 107 ] نريد به معنى صحيحا فكلامهم من باب كلام الحقّ الذي أريد به باطل ، ووقع في « الكشاف » أنّه قرئ :
كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
- بتخفيف ذال كذب - وقال الطيّبي : هي قراءة موضوعة أو شاذّة يعني شاذّة شذوذا شديدا ولم يروها أحد عن أحد من أهل القراءات الشاذّة ، ولعلّها من وضع بعض المعتزلة في المناظرة كما يؤخذ من كلام الفخر .
وقوله :
حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا
غاية للتكذيب مقصود منها دوامهم عليه إلى آخر أوقات وجودهم . فلمّا ذاقوا بأس اللّه هلكوا واضمحلّوا ، وليست الغاية هنا للتّنهية : والرّجوع عن الفعل لظهور أنّه لا يتصوّر الرّجوع بعد استئصالهم .
والذّوق مجاز في الإحساس والشّعور ، فهو من استعمال المقيّد في المطلق ، وقد تقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى :
لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ
في سورة العقود [ 95 ] .
والبأس تقدّم الكلام عليه في سورة البقرة وإضافته إلى ضمير اللّه تعالى لتعظيمه وتهويله .
وأمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلّم بالجواب عن مقالهم الواقع أو المتوقّع بقوله :
قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا
، ففصل جملة :
قُلْ
لأنّها جارية مجرى المقاولة والمجاوبة كما تقرّر غير مرّة ، وجاء بالاستفهام المقصود منه الإفحام والتهكّم بما عرف من تشبّثهم بمثل هذا الاستدلال .
وجعل الاستفهام ب
هَلْ
لأنّها تدلّ على طلب تحقيق الإسناد المسؤول عنه ، لأنّ أصل
هَلْ
أنّها حرف بمعنى « قد » لاختصاصها بالأفعال ، وكثر وقوعها بعد همزة الاستفهام ، فغلب عليها معنى الاستفهام ، فكثر حذف الهمزة معها حتّى تنوسيت الهمزة في مشهور الكلام ولم تظهر معها إلا في النّادر ، وقد تقدّم شيء من هذا عند قوله تعالى :
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
في سورة العقود [ 91 ] . فدلّ
هَلْ
على أنّه سائل عن أمر يريد أن يكون محقّقا كأنّه يرغب في حصوله فيغريهم بإظهاره حتّى إذا عجزوا كان قطعا لدعواهم .
والمقصود من هذا الاستفهام التهكّم بهم في قولهم :
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا
- إلى -