تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ
- إلى قوله -
إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ
[ الدخان : 10 - 16 ] فسّرت البطشة بيوم بدر . وجملة :
فَيَكْشِفُ
إلخ معترضة بين المعطوفين . وقوله :
وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ
عطف على
إِيَّاهُ تَدْعُونَ
، أي فإنّكم في ذلك الوقت تنسون ما تشركون مع اللّه ، وهو الأصنام . وقوله :
وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ
يجوز أن يكون النسيان على حقيقته ، أي تذهلون عن الأصنام لما ترون من هول العذاب وما يقع في نفوسهم من أنّه مرسل عليهم من اللّه فتنشغل أذهانهم بالذي أرسل العذاب وينسون الأصنام التي اعتادوا أن يستشفعوا بها . ويجوز أن يكون مجازا في الترك والإعراض ، أي وتعرضون عن الأصنام ، إذ لعلّهم يلهمون أن يستدلّون في تلك الساعة على أنّ غير اللّه لا يكشف عنهم من ذلك العذاب شيئا ، وإطلاق النسيان على الترك شائع في كلام العرب ، كما في قوله تعالى :
الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا
[ الجاثية : 34 ] ، أي نهملكم كما أنكرتم لقاء اللّه هذا اليوم . ومن قبيله قوله تعالى :
الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ
[ الماعون : 5 ] . وفي قوله :
فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ
دليل على أنّ اللّه تعالى قد يجيب دعوة الكافر في الدنيا تبعا لإجراء نعم اللّه على الكفّار . والخلاف في ذلك بين الأشعري والماتريدي آئل إلى الاختلاف اللفظي . [ 42 - 45 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 42 إلى 45 ]

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ( 42 ) فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 43 ) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ( 44 ) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 45 ) لمّا أنذرهم بتوقّع العذاب أعقبه بالاستشهاد على وقوع العذاب بأمم من قبل ، ليعلم هؤلاء أنّ تلك سنة اللّه في الذين ظلموا بالشرك . وهذا الخبر مستعمل في إنذار السامعين من المشركين على طريقة التعريض ، وهم المخاطبون بالقول المأمور به في الجملة التي قبلها .