تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
وحذف فاعل الوحي وبني فعله للمجهول للعلم بالفاعل الذي أوحاه إليه وهو اللّه تعالى . والإشارة ب
هذَا الْقُرْآنُ
إلى ما هو في ذهن المتكلّم والسامع . وعطف البيان بعد اسم الإشارة بيّن المقصود بالإشارة . واقتصر على جعل علّة نزول القرآن للنذارة دون ذكر البشارة لأنّ المخاطبين في حال مكابرتهم التي هي مقام الكلام لا يناسبهم إلّا الإنذار ، فغاية القرآن بالنسبة إلى حالهم هي الإنذار ، ولذلك قال
لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ
مصرّحا بضمير المخاطبين . ولم يقل : لأنذر به ، وهم المقصود ابتداء من هذا الخطاب وإن كان المعطوف على ضميرهم ينذر ويبشّر . على أنّ لام العلّة لا تؤذن بانحصار العلّة في مدخولها إذ قد تكون للفعل المعدّى بها علل كثيرة .
وَمَنْ بَلَغَ
عطف على ضمير المخاطبين ، أي ولأنذر به من بلغه القرآن وسمعه ولو لم أشافهه بالدعوة ، فحذف ضمير النصب الرابط للصلة لأنّ حذفه كثير حسن ، كما قال أبو علي الفارسي . وعموم
مَنْ
وصلتها يشمل كلّ من يبلغه القرآن في جميع العصور .
أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
. جملة مستأنفة من جملة القول المأمور بأن يقوله لهم . فهي استئناف بعد جملة
أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً
. خصّ هذا بالذكر لأنّ نفي الشريك للّه في الإلهية هو أصل الدعوة الإسلامية فبعد أن قرّرهم أنّ شهادة اللّه أكبر شهادة وأشهد اللّه على نفسه فيما بلّغ ، وعليهم فيما أعرضوا وكابروا ؛ استأنف استفهاما على طريقة الإنكار استقصاء في الإعذار لهم فقال : أتشهدون أنتم على ما أصررتم عليه أنّ مع اللّه آلهة أخرى كما شهدت أنا على ما دعوتكم إليه ، والمقرّر عليه هنا أمر ينكرونه بدلالة المقام . وإنّما جعل الاستفهام المستعمل في الإنكار عن الخبر الموكّد ب ( إنّ ) ولام الابتداء ليفيد أنّ شهادتهم هذه ممّا لا يكاد يصدّق السامعون أنّهم يشهدونها لاستبعاد صدورها من عقلاء ، فيحتاج المخبر عنهم بها إلى تأكيد خبره بمؤكّدين فيقول : إنّهم ليشهدون أنّ مع اللّه آلهة أخرى ، فهنالك يحتاج مخاطبهم بالإنكار إلى إدخال أداة الاستفهام الإنكاري على الجملة التي من شأنها أن يحكى بها خبرهم ، فيفيد مثل هذا التركيب إنكارين : أحدهما صريح بأداة الإنكار ، والآخر كنائي بلازم تأكيد الإخبار لغرابة هذا الزعم بحيث يشكّ السامع في صدوره منهم .