تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ
[ النور : 8 ] أي أن تشهد اللّه على كذب الزوج ، أي أن تحلف على ذلك‌بسم اللّه ، فإنّ لفظ ( أشهد اللّه ) من صيغ القسم إلّا أنّه إن لم يكن معه معنى الإشهاد يكون مجازا مرسلا ، وإن كان معه معنى الإشهاد كما هنا فهو كناية عن القسم مراد منه معنى إشهاد اللّه عليهم ، وبذلك يظهر موقع قوله :
اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
، أي أشهده عليكم . وقريب منه ما حكاه اللّه عن هود
قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ
[ هود : 54 ] . وقوله :
قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
جواب للسؤال ، ولذلك فصلت جملته المصدّرة ب
قُلْ
. وهذا جواب أمر به المأمور بالسؤال على معنى أن يسأل ثم يبادر هو بالجواب لكون المراد بالسؤال التقرير وكون الجواب ممّا لا يسع المقرّر إنكاره ، على نحو ما بيّنّاه في قوله :
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ
[ الأنعام : 12 ] . ووقع قوله :
اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
جوابا على لسانهم لأنّه مرتّب على السؤال وهو المقصود منه فالتقدير : قل شهادة اللّه أكبر شهادة ، فاللّه شهيد بيني وبينكم ، فحذف المرتّب عليه لدلالة المرتّب إيجازا كما هو مقتضى جزالة أسلوب الإلجاء والجدل . والمعنى : أنّي أشهد اللّه الذي شهادته أعظم شهادة أنّني أبلغتكم أنّه لا يرضى بأن تشركوا به وأنذرتكم . وفي هذه الآية ما يقتضي صحة إطلاق اسم ( شيء ) على اللّه تعالى لأنّ قوله :
اللَّهُ شَهِيدٌ
وقع جوابا عن قوله :
أَيُّ شَيْءٍ
فاقتضى إطلاق اسم ( شيء ) خبرا عن اللّه تعالى وإن لم يدلّ صريحا . وعليه فلو أطلقه المؤمن على اللّه تعالى لما كان في إطلاقه تجاوز للأدب ولا إثم . وهذا قول الأشعرية خلافا لجهم بن صفوان وأصحابه . ومعنى :
شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
أنّه لمّا لم تنفعهم الآيات والنذر فيرجعوا عن التكذيب والمكابرة لم يبق إلّا أن يكلهم إلى حساب اللّه تعالى . والمقصود : إنذارهم بعذاب اللّه في الدنيا والآخرة . ووجه ذكر
بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
أنّ اللّه شهيد له ، كما هو مقتضى السياق . فمعنى البين أنّ اللّه شهيد للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالصدق لردّ إنكارهم رسالته كما هو شأن الشاهد في الخصومات . وقوله :
وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ
عطف على جملة
اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
، وهو الأهمّ فيما أقسم عليه من إثبات الرسالة . وينطوي في ذلك جميع ما أبلغهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وما أقامه من الدلائل . فعطف
وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ
من عطف الخاصّ على العامّ ،
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 46 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور