تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
عليه قوله تعالى :
وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ
[ البقرة : 198 ] . فالمعنى : نقلّب أفئدتهم لأنّهم عصوا وكابروا فلم يؤمنوا بالقرآن أوّل ما تحدّاهم ، فنجعل أفئدتهم وأبصارهم مستمرّة الانقلاب عن شأن العقول والأبصار ، فهو جزاء لهم على عدم الاهتمام بالنّظر في أمر اللّه تعالى وبعثة رسوله ، واستخفافهم بالمبادرة إلى التّكذيب قبل التّأمّل الصّادق . وتقديم الأفئدة على الأبصار لأنّ الأفئدة بمعنى العقول ، وهي محلّ الدّواعي والصّوارف ، فإذا لاح للقلب بارق الاستدلال وجّه الحواس إلى الأشياء وتأمّل منها . والظّاهر أنّ وجه الجمع بين الأفئدة والأبصار وعدم الاستغناء بالأفئدة عن الأبصار لأنّ الأفئدة تختصّ بإدراك الآيات العقليّة المحضة ، مثل آية الأمّية وآية الإعجاز . ولمّا لم تكفهم الآيات العقليّة ولم ينتفعوا بأفئدتهم لأنّها مقلّبة عن الفطرة وسألوا آيات مرئيّة مبصرة ، كأن يرقى في السّماء وينزل عليهم كتابا في قرطاس ، أخبر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلم والمسلمين بأنّهم لو جاءتهم آية مبصرة لما آمنوا لأنّ أبصارهم مقلّبة أيضا مثل تقليب عقولهم . وذكّر
أَوَّلَ
مع أنّه مضاف إلى
مَرَّةٍ
إضافة الصفة إلى الموصوف لأنّ أصل « أوّل » اسم تفضيل . واسم التّفضيل إذا أضيف إلى النّكرة تعيّن فيه الإفراد والتّذكير ، كما تقول : خديجة أوّل النّساء إيمانا ولا تقول أولى النّساء . والمراد بالمرّة مرّة من مرّتي مجيء الآيات ، فالمرّة الأولى هي مجيء القرآن ، والمرّة الثّانية هي مجيء الآية المقترحة ، وهي مرّة مفروضة .
وَنَذَرُهُمْ
عطف على
نُقَلِّبُ
. فحقّق أنّ معنى
نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ
نتركها على انقلابها الّذي خلقت عليه ، فكانت مملوءة طغيانا ومكابرة للحقّ ، وكانت تصرف أبصارهم عن النّظر والاستدلال ، ولذلك أضاف الطّغيان إلى ضميرهم للدّلالة على تأصّله فيهم ونشأتهم عليه وأنّهم حرموا لين الأفئدة الّذي تنشأ عنه الخشية والذّكرى . والطّغيان والعمة تقدّما عند قوله تعالى :
وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
في سورة البقرة [ 15 ] . والظّرفيّة من قوله :
فِي طُغْيانِهِمْ
مجازية للدّلالة على إحاطة الطّغيان بهم ، أي بقلوبهم . وجملة :
وَنَذَرُهُمْ
معطوفة على
نُقَلِّبُ
. وجملة
يَعْمَهُونَ
حال من الضّمير المنصوب في قوله :
وَنَذَرُهُمْ
. وفيه تنبيه على أنّ العمة ناشئ عن الطّغيان .