تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
الدّنيا ، وهو الخذلان . ويجوز أن تكون جملة
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ
مستأنفة والواو للاستئناف ، أو أن تكون معطوفة على جملة
لا يُؤْمِنُونَ
[ الأنعام : 109 ] . والمعنى : ونحن نقلّب أفئدتهم وأبصارهم ، أي في نار جهنّم ، كناية عن تقليب أجسادهم كلّها . وخصّ من أجسادهم أفئدتهم وأبصارهم لأنّها سبب إعراضهم عن العبرة بالآيات ، كقوله تعالى :
سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ
[ الأعراف : 116 ] ، أي سحروا النّاس بما تخيّله لهم أعينهم . والكاف في قوله :
كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ
على هذا الوجه للتّعليل كقوله :
وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ
[ البقرة : 198 ] . وأقول : هذا الوجه يناكده قوله
أَوَّلَ مَرَّةٍ
إذ ليس ثمّة مرّتان على هذا الوجه الثّاني ، فيتعيّن تأويل
أَوَّلَ مَرَّةٍ
بأنّها الحياة الأولى في الدّنيا . والتّقليب مصدر قلّب الدالّ على شدّة قلب الشّيء عن حاله الأصليّة . والقلب يكون بمعنى جعل المقابل للنظر من الشيء غير مقابل ، كقوله تعالى :
فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها
[ الكهف : 42 ] ، وقولهم : قلب ظهر المجن ، وقريب منه قوله :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ
[ البقرة : 144 ] ؛ ويكون بمعنى تغيير حالة الشيء إلى ضدّها لأنّه يشبه قلب ذات الشّيء . والكاف في قوله :
كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ
الظّاهر أنّها للتّشبيه في محلّ حال من ضمير
لا يُؤْمِنُونَ
[ الأنعام : 109 ] ، و « ما » مصدريّة . والمعنى : لا يؤمنون مثل انتفاء إيمانهم أوّل مرّة . والضّمير المجرور بالباء عائد إلى القرآن لأنّه معلوم من السّياق كما في قوله :
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ
[ الأنعام : 66 ] ، أي أنّ المكابرة سجيّتهم فكما لم يؤمنوا في الماضي بآية القرآن وفيه أعظم دليل على صدق الرّسول - عليه الصّلاة والسّلام - لا يؤمنون في المستقبل بآية أخرى إذا جاءتهم . وعلى هذا الوجه يكون قوله :
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ
معترضا بالعطف بين الحال وصاحبها . ويجوز أن يجعل التّشبيه للتقليب فيكون حالا من الضّمير في
نُقَلِّبُ
، أي نقلّب أفئدتهم وأبصارهم عن فطرة الأفئدة والأبصار كما قلّبناها فلم يؤمنوا به أوّل مرّة إذ جمحوا عن الإيمان أوّل ما دعاهم الرّسول - عليه الصّلاة والسّلام - ، ويصير هذا التّشبيه في قوّة البيان للتّقليب المجعول حالا من انتفاء إيمانهم بأنّ سبب صدورهم عن الإيمان لا يزال قائما لأنّ اللّه حرمهم إصلاح قلوبهم . وجوّز بعض المفسّرين أن تكون الكاف للتّعليل على القول بأنّه من معانيها ، وخرّج