تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
والخلاف في رؤية اللّه في الآخرة شائع بين طوائف المتكلّمين ؛ فأثبته جمهور أهل السنّة لكثرة ظواهر الأدلّة من الكتاب والسنّة مع اتّفاقهم على أنّها رؤية تخالف الرّؤية المتعارفة . وعن مالك - رحمه اللّه - « لو لم ير المؤمنون ربّهم يوم القيامة لم يعيّر الكفّار بالحجاب في قوله تعالى :
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
[ المطففين : 15 ] . وعنه أيضا « لم ير اللّه في الدّنيا لأنّه باق ولا يرى الباقي بالفاني ، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارا باقية رأوا الباقي بالباقي » . وأمّا المعتزلة فقد أحالوا رؤية اللّه في الآخرة لاستلزامها الانحياز في الجهة . وقد اتّفقنا جميعا على التّنزيه عن المقابلة والجهة ، كما اتّفقنا على جواز الانكشاف العلمي التّامّ للمؤمنين في الآخرة لحقيقة الحقّ تعالى ، وعلى امتناع ارتسام صورة المرئي في العين أو اتّصال الشّعاع الخارج من العين بالمرئي تعالى لأنّ أحوال الأبصار في الآخرة غير الأحوال المتعارفة في الدّنيا . وقد تكلّم أصحابنا بأدلّة الجواز وبأدلّة الوقوع ، وهذا ممّا يجب الإيمان به مجملا على التّحقيق . وأدلّة المعتزلة وأجوبتنا عليها مذكورة في كتب الكلام وليست من غرض التّفسير ومرجعها جميعا إلى إعمال الظاهر أو تأويله . ثمّ اختلف أئمّتنا هل حصلت رؤية اللّه تعالى للنّبي صلّى اللّه عليه وسلم فنفى ذلك جمع من الصّحابة منهم عائشة وابن مسعود وأبو هريرة - رضي اللّه عنهم - وتمسّكوا بعموم هذه الآية كما ورد في حديث البخاري عن عكرمة عن عائشة . وأثبتها الجمهور ، ونقل عن أبيّ بن كعب وابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - ، وعليه يكون العموم مخصوصا . وقد تعرّض لها عياض في « الشّفاء » . وقد سئل عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأجاب بجواب اختلف الرّواة في لفظه ، فحجب اللّه بذلك الاختلاف حقيقة الأمر إتماما لمراده ولطفا بعباده . وقوله :
وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
معطوف على جملة :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
فإسناد الإدراك إلى ضمير اسمه تعالى إمّا لأنّ فعل
يُدْرِكُ
استعير لمعنى ينال ، أي لا تخرج عن تصرّفه كما يقال : لحقه فأدركه ، فالمعنى يقدر على الأبصار ، أي على المبصرين ، وإمّا لاستعارة فعل
يُدْرِكُ
لمعنى يعلم لمشاكلة قوله :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
أي لا تعلمه الأبصار . وذلك كناية عن العلم بالخفيّات لأنّ الأبصار هي العدسات الدّقيقة الّتي هي واسطة إحساس الرّؤية أو هي نفس الإحساس وهو أخفى . وجمعه باعتبار المدركين . وفي قوله :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
محسّن الطّباق . وجملة :
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
معطوفة على جملة :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
فهي صفة