تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
والملائكة وقد عبدوهما فإنّهما وإن كانا غير مدركين بالأبصار في المتعارف لكلّ النّاس ولا في كلّ الأوقات إلّا أنّ المشركين يزعمون أنّ الجنّ تبدو لهم تارات في الفيافي وغيرها . قال شمر بن الحارث الضبي :
أتوا ناري فقلت منون أنتم * فقالوا الجنّ قلت عموا ظلاما
ويتوهّمون أنّ الملائكة يظهرون لبعض النّاس ، يتلقّون ذلك عن اليهود . والإدراك حقيقته الوصول إلى المطلوب . ويطلق مجازا على شعور الحاسّة بالمحسوس أو العقل بالمعقول يقال : أدرك بصري وأدرك عقلي تشبيها لآلة العلم بشخص أو فرس وصل إلى مطلوبه تشبيه المعقول بالمحسوس ، ويقال : أدرك فلان ببصره وأدرك بعقله ، ولا يقال : أدرك فلان بدون تقييد ، واصطلح المتأخّرون من المتكلّمين والحكماء على تسمية الشعور العقلي إدراكا ، وجعلوا الإدراك جنسا في تعريف التصوّر والتّصديق ، ووصفوا صاحب الفهم المستقيم بالدّراكة . وأمّا قوله تعالى :
وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
فيجوز أن يكون إسناد الإدراك إلى اسم اللّه مشاكلة لما قبله من قوله :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
. ويجوز أن يكون الإدراك فيه مستعارا للتصرّف لأنّ الإدراك معناه النوال . والأبصار جمع بصر ، وهو اسم للقوّة الّتي بها النّظر المنتشرة في إنسان العين الّذي في وسط الحدقة وبه إدراك المبصرات . والمعنى : لا تحيط به أبصار المبصرين لأنّ المدرك في الحقيقة هو المبصر لا الجارحة ، وإنّما الجارحة وسيلة للإدراك لأنّها توصّل الصّورة إلى الحسّ المشترك في الدّماغ . والمقصود من هذا بيان مخالفة خصوصيّة الإله الحقّ عن خصوصيات آلهتهم في هذا العالم ، فإنّ اللّه لا يرى وأصنامهم ترى ، وتلك الخصوصيّة مناسبة لعظمته تعالى ، فإنّ عدم إحاطة الأبصار بالشّيء يكون من عظمته فلا تطيقه الأبصار ، فعموم النّكرة في سياق النّفي يدلّ على انتفاء أن يدركه شيء من أبصار المبصرين في الدّنيا كما هو السّياق . ولا دلالة في هذه الآية على انتفاء أن يكون اللّه يرى في الآخرة ، كما تمسّك به نفاة الرّؤية ، وهم المعتزلة لأنّ للأمور الآخرة أحوالا لا تجري على متعارفنا ، وأحرى أن لا دلالة فيها على جواز رؤيته تعالى في الآخرة . ومن حاول ذلك فقد تكلّف ما لا يتمّ كما صنع الفخر في « تفسيره » .