تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
وأعوامهم بحساب سير الشّمس بحلولها في البروج وبتمام دورتها فيها . والعرب يحسبون بسير القمر في منازله . وهو الذي جاء به الإسلام ، وكان العرب في الجاهليّة يجعلون الكبس لتحويل السنة إلى فصول متماثلة ، فموقع المنّة أعمّ من الاعتبار الشّرعي في حساب الأشهر والأعوام بالقمري ، وإنّما استقام ذلك للنّاس بجعل اللّه حركات الشّمس والقمر على نظام واحد لا يختلف ، وذلك من أعظم دلائل علم اللّه وقدرته ، وهذا بحسب ما يظهر للنّاس منه ولو اطّلعوا على أسرار ذلك النّظام البديع لكانت العبرة به أعظم . والإخبار عنهما بالمصدر إسناد مجازي لأنّه في معنى اسم الفاعل ، أي حاسبين . والحاسب هم النّاس بسبب الشّمس والقمر . والإشارة ب
ذلِكَ
إلى الجعل المأخوذ من جاعل . والتّقدير : وضع الأشياء على قدر معلوم كقوله تعالى :
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً
[ الفرقان : 2 ] . والعزيز : الغالب ، القاهر ، واللّه هو العزيز حقّا لأنّه لا تتعاصى عن قدرته الكائنات كلّها . والعليم مبالغة في العلم ، لأنّ وضع الأشياء على النّظام البديع لا يصدر إلّا عن عالم عظيم العلم . [ 97 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 97 ]

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 97 ) عطف على جملة : وجاعل الليل سكنا [ الأنعام : 96 ] ، وهذا تذكير بوحدانيّة اللّه ، وبعظيم خلقة النّجوم ، وبالنّعمة الحاصلة من نظام سيرها إذ كانت هداية للنّاس في ظلمات البرّ والبحر يهتدون بها . وقد كان ضبط حركات النّجوم ومطالعها ومغاربها من أقدم العلوم البشريّة ظهر بين الكلدانيّين والمصريّين القدماء . وذلك النّظام هو الّذي أرشد العلماء إلى تدوين علم الهيئة . والمقصود الأوّل من هذا الخبر الاستدلال على وحدانيّة اللّه تعالى بالإلهيّة ، فلذلك صيغ بصيغة القصر بطريق تعريف المسند والمسند إليه ، لأنّ كون خلق النّجوم من اللّه وكونها ممّا يهتدى بها لا ينكره المخاطبون ولكنّهم لم يجروا على ما يقتضيه من إفراده بالعبادة .