تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
محمّد صلّى اللّه عليه وسلم وأنّها منزلة جديدة بالتّخصيص بالذكر حيث لم يذكر مع الأنبياء المتقدّمين ، وأنّه جمع هدى الأوّلين ، وأكملت له الفضائل ، وجمع له ما تفرّق من الخصائص والمزايا العظيمة . وفي إفراده بالذكر وترك عدّه مع الأوّلين رمز بديع إلى فذاذته وتفرّد مقداره ، ورعي بديع لحال مجيء رسالته بعد مرور تلك العصور المتباعدة أو المتجاورة ، ولذلك قدّم المجرور وهو
فَبِهُداهُمُ
على عامله ، للاهتمام بذلك الهدى لأنّه هو منزلتك الجامعة للفضائل والمزايا ، فلا يليق به الاقتداء بهدى هو دون هداهم . ولأجل هذا لم يسبق للنّبي صلّى اللّه عليه وسلم اقتداء بأحد ممّن تحنّفوا في الجاهليّة أو تنصّروا أو تهوّدوا . فقد لقي النّبيء صلّى اللّه عليه وسلم زيد بن عمرو بن نفيل قبل النّبوءة في بلدح وعرض عليه أن يأكل معه من سفرته ، فقال زيد « إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم » توهّما منه أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم يدين بدين الجاهليّة ، وألهم اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وسلم السكوت عن إجابته إلهاما لحفظ السرّ المدّخر فلم يقل له إنّي لا أذبح على نصب . ولقي ورقة بن نوفل غير مرّة بمكّة . ولقي بحيرا الرّاهب . ولم يقتد بأحد من أولئك وبقي على الفطرة إلى أن جاءته الرّسالة . والاقتداء افتعال من القدوة - بضمّ القاف وكسرها - وقياسه على الإسوة يقتضي أنّ الكسر فيه أشهر . وقال في « المصباح » : الضمّ أكثر . ووقع في « المقامات » للحريري « وقدوة الشحّاذين » فضبط بالضمّ . وذكره الواسطي في شرح ألفاظ المقامات » في القاف المضمومة ، وروى فيه فتح القاف أيضا ، وهو نادر . والقدوة هو الّذي يعمل غيره مثل عمله ، ولا يعرف له في اللّغة فعل مجرّد فلم يسمع إلّا اقتدى . وكأنّهم اعتبروا القدوة اسما جامدا واشتقّوا منه الافتعال للدّلالة على التّكلّف كما اشتقّوا من اسم الخريف اخترف ، ومن الأسوة ائتسى ، وكما اشتقّوا من اسم النمر تنمّر ، ومن الحجر تحجّر . وقد تستعمل القدوة اسم مصدر لاقتدى . يقال : لي في فلان قدوة كما في قوله تعالى :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
[ الممتحنة : 6 ] . وفي قوله :
فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
تعريض للمشركين بأنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وسلم ما جاء إلّا على سنّة الرّسل كلّهم وأنّه ما كان بدعا من الرّسل . وأمر النّبيء صلّى اللّه عليه وسلم بالاقتداء بهداهم يؤذن بأنّ اللّه زوى إليه كلّ فضيلة من فضائلهم الّتي اختصّ كلّ واحد بها سواء ما اتّفق منه واتّحد ، أو اختلف وافترق ، فإنّما يقتدي بما أطلعه اللّه عليه من فضائل الرّسل وسيرهم ، وهو الخلق الموصوف بالعظيم في قوله تعالى :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[ القلم : 4 ] .