[ 89 ]
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 89 ]
أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ( 89 )
استئناف ابتدائي للتّنويه بهم ، فهي فذلكة ثانية ، لأنّ الفذلكة الأولى راجعة إلى ما في الجمل السابقة من الهدى وهذه راجعة إلى ما فيها من المهديّين .
واسم الإشارة لزيادة الاعتناء بتمييزهم وإخطار سيرتهم في الأذهان . والمشار إليهم هم المعيّنون بأسمائهم والمذكورون إجمالا في قوله :
وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ
[ الأنعام : 87 ] . و
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ
خبر عن اسم الإشارة .
والمراد بالكتاب الجنس : أي الكتب . وإيتاء الكتاب يكون بإنزال ما يكتب ، كما أنزل على الرسل وبعض الأنبياء ، وما أنزل عليهم يعتبر كتابا ، لأنّ شأنه أن يكتب سواء كتب أم لم يكتب . وقد نصّ القرآن على أنّ إبراهيم كانت له صحف بقوله :
صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى
[ الأعلى : 19 ] وكان لعيسى كلامه الذي كتب في الإنجيل . ولداود الكلام الصادر منه تبليغا عن اللّه تعالى ، وكان نبيئا ولم يكن رسولا ، ولسليمان الأمثال ، والجامعة ، والنشيد المنسوب في ثلاثتها أحكام أمر اللّه بها . ويقال : إنّ إدريس كتب الحكمة في صحف وهو الّذي يسمّيه الإسرائيليون ( أخنوخ ) ويدعوه القبط ( توت ) ويدعوه الحكماء ( هرمس ) . ويكون إيتاء الكتاب بإيتاء النّبيء فهم ونبيين الكتب المنزّلة قبله ، كما أوتي أنبياء بني إسرائيل من بعد موسى أمثال يحيى فقد قال تعالى له
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ
[ مريم : 12 ] .
والحكم هو الحكمة ، أي العلم بطرق الخير ودفع الشرّ . قال تعالى في شأن يحيى
وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
[ مريم : 12 ] ، ولم يكن يحيى حاكما أي قاضيا ، وقد يفسّر الحكم بالقضاء بالحقّ كما في قوله تعالى في شأن داود وسليمان
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
[ الأنبياء : 79 ] .
وإيتاء هذه الثلاث على التّوزيع ، فمنهم من أوتي جميعها وهم الرسل منهم والأنبياء الّذين حكموا بين النّاس مثل داود وسليمان ، ومنهم من أوتي بعضها وهم الأنبياء غير الرّسل والصّالحون منهم غير الأنبياء ، وهذا باعتبار شمول اسم الإشارة لآبائهم وذرّيّاتهم وإخوانهم .
والفاء في قوله :
فَإِنْ يَكْفُرْ
عاطفة جملة الشّرط على جملة
أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ