تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
أولاها :
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ
[ الأنعام : 59 ] ، ثم ما بعده من التعريض بالوعيد ، ثم بنى عليه قوله :
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ
فكأنّه قيل : قل إنّي على بيّنة من ربّي وكذّبتم به وهو الحقّ قل لست عليكم بوكيل . وقوله :
قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ
إرغام لهم لأنّهم يرونه أنّهم لمّا كذّبوه وأعرضوا عن دعوته قد أغاظوه ، فأعلمهم اللّه أنّه لا يغيظه ذلك وأنّ عليه الدعوة فإذا كانوا يغيظون فلا يغيظون إلّا أنفسهم . والوكيل هنا بمعنى المدافع الناصر ، وهو الحفيظ . وتقدّم عند قوله تعالى :
وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
في سورة آل عمران [ 173 ] . وتعديته ب ( على ) لتضمّنه معنى الغلبة والسلطة ، أي لست بقيّم عليكم يمنعكم من التكذيب ، كقوله تعالى :
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ
[ الشورى : 48 ] . وجملة
لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ
مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأنّ قوله
وَهُوَ الْحَقُّ
يثير سؤالهم أن يقولوا : فمتى ينزل العذاب . فأجيبوا بقوله :
لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ
. والنبأ : الخبر المهم ، وتقدّم في هذه السورة . فيجوز أن يكون على حقيقته ، أي لكلّ خبر من أخبار القرآن ، ويجوز أن يكون أطلق المصدر على اسم المفعول ، أي لكلّ مخبر به ، أي ما أخبروا به من قوله :
أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ
[ الأنعام : 65 ] الآية . والمستقرّ وقت الاستقرار ، فهو اسم زمانه ، ولذلك صيغ بوزن اسم المفعول ، كما هو قياس صوغ اسم الزمان المشتقّ من غير الثلاثي . والاستقرار بمعنى الحصول ، أي لكلّ موعود به وقت يحصل فيه . وهذا تحقيق للوعيد وتفويض زمانه إلى علم اللّه تعالى . وقد يكون المستقرّ هنا مستعملا في الانتهاء والغاية مجازا ، كقوله تعالى :
وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها
[ يس : 38 ] ، وهو شامل لوعيد الآخرة ووعيد الدنيا ولكلّ مستقرّ . وعن السّدّي : استقرّ يوم بدر ما كان يعدهم به من العذاب . وعطف
سَوْفَ تَعْلَمُونَ
على جملة
لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ
أي تعلمونه ، أي هو الآن غير معلوم وتعلمونه في المستقبل عند حلوله بكم . وهذا أظهر في وعيد العذاب في الدنيا . [ 68 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 68 ]

وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 68 )