تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
كطلب طرد المؤمنين عن مجلسه . والأهواء جمع هوى ، وهو المحبّة المفرطة . وقد تقدّم عند قوله تعالى :
وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ
في سورة البقرة [ 120 ] . وإنّما قال :
لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ
دون لا أتّبعكم للإشارة إلى أنّهم في دينهم تابعون للهوى نابذون لدليل العقل . وفي هذا تجهيل لهم في إقامة دينهم على غير أصل متين . وجملة
قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً
جواب لشرط مقدّر ، أي إن اتّبعت أهواءكم إذن قد ضللت . وكذلك موقع ( إذن ) حين تدخل على فعل غير مستقبل فإنّها تكون حينئذ جوابا لشرط مقدّر مشروط ب ( إن ) أو ( لو ) مصرّح به تارة ، كقول كثيّر :
لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها * وأمكنني منها إذن لا أقيلها
ومقدّر أخرى كهذه الآية ، وكقوله تعالى :
وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ
[ المؤمنون : 91 ] . وتقديم جواب ( إذن ) على ( إذن ) في هذه الآية للاهتمام بالجواب . ولذلك الاهتمام أكّد ب
قَدْ
مع كونه مفروضا وليس بواقع ، للإشارة إلى أنّ وقوعه محقّق لو تحقّق الشرط المقدّر الذي دلّت عليه ( إذن ) . وقوله :
وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
عطف على
قَدْ ضَلَلْتُ
، عطف عليه للدلالة على أنّه جزاء آخر للشرط المقدّر ، فيدلّ على أنّه إن فعل ذلك يخرج عن حالة التي هو عليها الآن من كونه في عداد المهتدين إلى الكون في حالة الضلال ، وأفاد مع ذلك تأكيد مضمون جملة
قَدْ ضَلَلْتُ
لأنّه نفى عن نفسه ضدّ الضلال فتقرّرت حقيقة الضلال على الفرض والتقدير . وتأكيد الشيء بنفي ضدّه طريقة عربية قد اهتديت إليها ونبّهت عليها عند قوله تعالى :
قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
في هذه السورة [ 140 ] . ونظيره قوله تعالى :
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى
[ طه : 79 ] . وقد أتي بالخبر بالجار والمجرور فقيل :
مِنَ الْمُهْتَدِينَ
ولم يقل : وما أنا مهتد ، لأنّ المقصود نفي الجملة التي خبرها
مِنَ الْمُهْتَدِينَ
، فإنّ التعريف في
الْمُهْتَدِينَ
تعريف الجنس ، فإخبار المتكلم عن نفسه بأنّه من المهتدين يفيد أنّه واحد من الفئة التي تعرف عند الناس بفئة المهتدين ، فيفيد أنّه مهتد إفادة بطريقة تشبه طريقة الاستدلال . فهو