تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
فلرعي لفظها . والباء للسببية ، و ( ما ) مصدرية ، أي بسبب فسقهم . والفسق حقيقته الخروج عن حدّ الخير . وشاع استعماله في القرآن في معنى الكفر وتجاوز حدود اللّه تعالى . وتقدّم تفصيله عند قوله تعالى :
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
في سورة البقرة [ 26 ] . وجيء بخبر ( كان ) جملة مضارعية للإشارة إلى أنّ فسقهم كان متجدّدا متكرّرا ، على أنّ الإتيان ب ( كان ) أيضا للدلالة على الاستمرار لأنّ ( كان ) إذا لم يقصد بها انقضاء خبرها فيما مضى دلّت على استمرار الخبر بالقرينة ، كقوله تعالى :
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً *
[ النساء : 96 ] . [ 50 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 50 ]

قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ ( 50 )
قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
. لمّا تقضّت المجادلة مع المشركين في إبطال شركهم ودحض تعاليل إنكارهم نبوءة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّهم لا يؤمنون بنبوته إلّا إذا جاء بآية على وفق هواهم ، وأبطلت شبهتهم بقوله :
وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
[ الأنعام : 48 ] وكان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ممّن شمله لفظ المرسلين ، نقل الكلام إلى إبطال معاذيرهم فأعلمهم اللّه حقيقة الرسالة واقترانها بالآيات فبيّن لهم أنّ الرسول هو الذي يتحدّى الأمّة لأنّه خليفة عن اللّه في تبليغ مراده من خلقه ، وليست الأمّة هي التي تتحدّى الرسول ، فآية صدق الرسول تجيء على وفق دعواه الرسالة ، فلو ادّعى أنّه ملك أو أنّه بعث لإنقاذ الناس من أرزاء الدنيا ولإدناء خيراتها إليهم لكان من عذرهم أن يسألوه آيات تؤيّد ذلك ، فأمّا والرسول مبعوث للهدى فآيته أن يكون ما جاء به هو الهدى وأن تكون معجزته هو ما قارن دعوته ممّا يعجز البشر عن الإتيان بمثله في زمنهم . فقوله
قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ
استئناف ابتدائي انتقل به الكلام من غرض إلى غرض . وافتتاح الكلام بالأمر بالقول للاهتمام بإبلاغه ، كما تقدّم عند قوله تعالى :
قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ
[ الأنعام : 40 ] . وقد تكرّر الأمر بالقول من هنا إلى قوله
لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ
[ الأنعام : 67 ] اثنتي عشرة مرة .