تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
التوبيخ على إهمال الحذر من إتيان عذاب اللّه ، أقوى من التوبيخ على الاطمئنان من أخذ أسماعهم وأبصارهم ، فاجتلب كاف الخطاب المقصود منه التنبيه دون أعيان المخاطبين . والبغتة تقدّمت آنفا . والجهرة : الجهر ، ضدّ الخفية ، وضدّ السرّ . وقد تقدّم عنه قوله تعالى :
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
في سورة البقرة [ 55 ] . وقد أوقع الجهرة هنا في مقابلة البغتة وكان الظاهر أن تقابل البغتة بالنّظرة أو أن تقابل الجهرة بالخفية ، إلّا أنّ البغتة لمّا كانت وقوع الشيء من غير شعور به كان حصولها خفيّا فحسن مقابلته بالجهرة ، فالعذاب الذي يجيء بغتة هو الذي لا تسبقه علامة ولا إعلام به . والذي يجيء جهرة هو الذي تسبقه علامة مثل الكسف المحكي في قوله تعالى :
فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا
[ الأحقاف : 24 ] أو يسبقه إعلام به كما في قوله تعالى :
فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ
[ هود : 65 ] . فإطلاق الجهرة على سبق ما يشعر بحصول الشيء إطلاق مجازي . وليس المراد من البغتة الحاصل ليلا ومن الجهرة الحاصل نهارا . والاستفهام في قوله :
هَلْ يُهْلَكُ
مستعمل في الإنكار فلذلك جاء بعده الاستثناء . والمعنى لا يهلك بذلك العذاب إلّا الكافرون . والمراد بالقوم الظالمين المخاطبون أنفسهم فأظهر في مقام الإضمار ليتأتّى وصفهم أنّهم ظالمون ، أي مشركون ، لأنّهم ظالمون أنفسهم وظالمون الرسول والمؤمنين . وهذا يتضمّن وعدا من اللّه تعالى بأنه منجي المؤمنين ، ولذلك أذن رسوله بالهجرة من مكة مع المؤمنين لئلّا يحلّ عليهم العذاب تكرمة لهم كما أكرم لوطا وأهله ، وكما أكرم نوحا ومن آمن معه ، كما أشار إليه قوله تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
[ الأنفال : 33 ] ثم قوله :
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ
[ الأنفال : 34 ] . [ 48 ، 49 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 48 إلى 49 ]

وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 48 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 49 ) عطف على جملة
انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ
[ الأنعام : 46 ] . والمناسبة أنّ صدوفهم وإعراضهم كانوا يتعلّلون له بأنّهم يرومون آيات على وفق مقترحهم