تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
ويجوز أن يكون إنشاء اللّه تعالى ثناء على نفسه ، تعريضا بالامتنان على الرسول والمسلمين . واللام في
الْحَمْدُ
للجنس ، أي وجنس الحمد كلّه الذي منه الحمد على نعمة إهلاك الظالمين . وفي ذلك كلّه تنبيه على أنّه يحقّ الحمد للّه عند هلاك الظلمة ، لأنّ هلاكهم صلاح للناس ، والصلاح أعظم النعم ، وشكر النعمة واجب . وهذا الحمد شكر لأنّه مقابل نعمة . وإنّما كان هلاكهم صلاحا لأنّ الظلم تغيير للحقوق وإبطال للعمل بالشريعة ، فإذا تغير الحقّ والصلاح جاء الدمار والفوضى وافتتن الناس في حياتهم فإذا هلك الظالمون عاد العدل ، وهو ميزان قوام العالم . أخرج أحمد بن حنبل عن عقبة بن عامر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : إذا رأيت اللّه يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحبّ فإنّما هو استدراج ثم تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
. [ 46 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 46 ]

قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ( 46 ) استئناف ابتدائي عاد به إلى الجدال معهم في إشراكهم باللّه تعالى بعد أن انصرف الكلام عنه بخصوصه من قوله تعالى :
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً
[ الأنعام : 19 ] وما تفنّن عقب ذلك من إثبات البعث وإثبات صدق الرسول وذكر القوارع والوعيد إلى قوله :
قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ
[ الأنعام : 40 ] الآيات . وتكرير الأمر بالقول للوجه الذي تقدّم آنفا عند قوله تعالى :
قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ
[ الأنعام : 40 ] الآية . والرؤية قلبية متعدّية إلى مفعولين ، وليس هذا من قبيل الاستعمال المتقدّم آنفا في قوله تعالى :
قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ
[ الأنعام : 40 ] الآية . واختلاف القرّاء في
أَ رَأَيْتُمْ
كاختلافهم في مثله من قوله تعالى :
قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ
[ الأنعام : 40 ] الآية .