تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
والسكوت عند طلب العفو يأسا من الاستجابة . وجملة
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ
معطوفة على جملة
أَخَذْناهُمْ
، أي فأخذناهم أخذ الاستئصال . فلم يبق فيهم أحدا . والدابر اسم فاعل من دبره من باب كتب ، إذا مشى من ورائه . والمصدر الدبور - بضم الدال - ، ودابر الناس آخرهم ، وذلك مشتقّ من الدبر ، وهو الوراء ، قال تعالى :
وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ
[ الحجر : 65 ] . وقطع الدابر كناية عن ذهاب الجميع لأنّ المستأصل يبدأ بما يليه ويذهب يستأصل إلى أن يبلغ آخره وهو دابره ، وهذا ممّا جرى مجرى المثل ، وقد تكرّر في القرآن ، كقوله :
أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ
[ الحجر : 66 ] . والمراد بالذين ظلموا المشركون ، فإنّ الشرك أعظم الظلم ، لأنّه اعتداء على حقّ اللّه تعالى على عباده في أن يعترفوا له بالربوبية وحده ، وأنّ الشرك يستتبع مظالم عدّة لأنّ أصحاب الشرك لا يؤمنون بشرع يزع الناس عن الظلم . وجملة :
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
يجوز أن تكون معطوفة على جملة :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ
بما اتّصل بها . عطف غرض على غرض . ويجوز أن تكون اعتراضا تذييليا فتكون الواو اعتراضية . وأيّا ما كان موقعها ففي المراد منها اعتبارات ثلاثة : أحدها : أن تكون تلقينا للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين أن يحمدوا اللّه على نصره رسله وأولياءهم وإهلاك الظالمين ، لأنّ ذلك النصر نعمة بإزالة فساد كان في الأرض ، ولأنّ في تذكير اللّه الناس به إيماء إلى ترقّب الإسوة بما حصل لمن قبلهم أن يترقّبوا نصر اللّه كما نصر المؤمنين من قبلهم ؛ فيكون
الْحَمْدُ لِلَّهِ
مصدرا بدلا من فعله ، عدل عن نصبه وتنكيره إلى رفعه وتعريفه للدلالة على معنى الدوام والثبات ، كما تقدّم في قوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
في سورة الفاتحة [ 2 ] . ثانيها : أن يكون
الْحَمْدُ لِلَّهِ
كناية عن كون ما ذكر قبله نعمة من نعم اللّه تعالى لأنّ من لوازم الحمد أن يكون على نعمة ، فكأنّه قيل : فقطع دابر القوم الذين ظلموا . وتلك نعمة من نعم اللّه تقتضي حمده . ثالثها : أن يكون إنشاء حمد للّه تعالى من قبل جلاله مستعملا في التعجيب من معاملة اللّه تعالى إيّاهم وتدريجهم في درجات الإمهال إلى أن حقّ عليهم العذاب .