ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
.
وجمع :
السَّماواتِ
لأنّها عوالم كثيرة ، إذ كلّ كوكب منها عالم مستقلّ عن غيره ، ومنها الكواكب السبعة المشهورة المعبّر عنها في القرآن بالسماوات السبع فيما نرى . وأفرد الأرض لأنّها عالم واحد ، ولذلك لم يجيء لفظ الأرض في القرآن جمعا .
وقوله :
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
أشار في « الكشاف » أنّ ( جعل ) إذا تعدّى إلى مفعول واحد فهو بمعنى أحدث وأنشأ فيقارب مرادفة معنى ( خلق ) . والفرق بينه وبين ( خلق ) ؛ فإنّ في الخلق ملاحظة معنى التقدير ، وفي الجعل ملاحظة معنى الانتساب ، يعني كون المجعول مخلوقا لأجل غيره أو منتسبا إلى غيره ، فيعرف المنتسب إليه بمعونة المقام .
فالظلمات والنور لمّا كانا عرضين كان خلقهما تكوينا لتكيّف موجودات السماوات والأرض بهما . ويعرف ذلك بذكر
الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
عقب ذكر
السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
، وباختيار لفظ الخلق للسماوات والأرض ، ولفظ الجعل للظلمات والنور ، ومنه قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها
[ الأعراف : 189 ] فإنّ الزوج وهو الأنثى مراعى في إيجاده أن يكون تكملة لخلق الذكر ، ولذلك عقّبه بقوله :
لِيَسْكُنَ إِلَيْها
[ الأعراف : 189 ] والخلق أعمّ في الإطلاق ولذلك قال تعالى في آية أخرى
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها
[ النساء : 1 ] لأنّ كلّ تكوين لا يخلو من تقدير ونظام .
وخصّ بالذكر من الجواهر والأعراض عرضين عظيمين ، وهما : الظلمات والنور فقال
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
لاستواء جميع الناس في إدراكهما والشعور بهما . وبذكر هذه الأمور الأربعة حصلت الإشارة إلى جنسي المخلوقات من جواهر وأعراض . فالتفرقة بين فعل ( خلق ) وفعل ( جعل ) هنا معدود من فصاحة الكلمات . وإنّ لكلّ كلمة مع صاحبتها مقاما ، وهو ما يسمّى في عرف الأدباء برشاقة الكلمة ففعل ( خلق ) أليق بإيجاد الذوات ، وفعل ( جعل ) أليق بإيجاد أعراض الذوات وأحوالها ونظامها .
والاقتصار في ذكر المخلوقات على هذه الأربعة تعريض بإبطال عقائد كفار العرب فإنّهم بين مشركين وصابئة ومجوس ونصارى ، وكلّهم قد أثبتوا آلهة غير اللّه ؛ فالمشركون أثبتوا آلهة من الأرض ، والصابئة أثبتوا آلهة من الكواكب السماوية ، والنصارى أثبتوا إلهية عيسى أو عيسى ومريم وهما من الموجودات الأرضية ، والمجوس وهم المانوية ألّهوا النور والظلمة ، فالنور إله الخير والظلمة إله الشرّ عندهم . فأخبرهم اللّه تعالى أنّه خالق