تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
ثم أخذت النتيجة من البرهان بقوله :
بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ
أي ينالكم ما ينال سائر البشر . وفي هذا تعريض أيضا بأنّ المسيح بشر ، لأنّه ناله ما ينال البشر من الأعراض والخوف ، وزعموا أنّه ناله الصلب والقتل . وجملة قوله :
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
كالاحتراس ، لأنّه لمّا رتّب على نوال العذاب إيّاهم أنهم بشر دفع توهّم النصارى أنّ البشريّة مقتضية استحقاق العذاب بوراثة تبعة خطيئة آدم فقال :
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ
، أي من البشر
وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
. [ 19 ]

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 19 ]

يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 19 ) كرّر اللّه موعظتهم ودعوتهم بعد أن بيّن لهم فساد عقائدهم وغرور أنفسهم بيانا لا يدع للمنصف متمسّكا بتلك الضلالات ، كما وعظهم ودعاهم آنفا بمثل هذا عقّب بيان نقضهم المواثيق . فموقع هذه الآية تكرير لموقع قوله :
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ
[ المائدة : 15 ] الآيات ، إلّا أنّه ذكر الرسول صلى اللّه عليه وسلّم هنا بوصف مجيئه على فترة من الرسل ليذكّرهم بأنّ كتبهم مصرّحة بمجيء رسول عقب رسلهم ، وليريهم أنّ مجيئه لم يكن بدعا من الرسل إذ كانوا يجيئون على فتر بينهم . وذكر الرسول هنالك بوصف تبيينه ما يخفونه من الكتاب لأنّ ما ذكر قبل الموعظة هنا قد دلّ على مساواة الرسل في البشرية ومساواة الأمم في الحاجة إلى الرسالة ، وما ذكر قبل الموعظة هنالك إنّما كان إنباء بأسرار كتبهم وما يخفون علمه عن النّاس لما فيه من مساويهم وسوء سمعتهم . وحذف مفعول
يُبَيِّنُ
لظهور أنّ المراد بيان الشريعة . فالكلام خطاب لأهل الكتاب يتنزّل منزلة تأكيد لجملة
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ
[ المائدة : 15 ] ، فلذلك فصلت . وقوله :
عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ
حال من ضمير
يُبَيِّنُ لَكُمْ
، فهو ظرف مستقرّ ، ويجوز أن يكون ظرفا لغوا متعلّقا ب
جاءَكُمْ
. ويجوز تعلّقه بفعل
يُبَيِّنُ
لأنّ البيان انقطع في مدّة الفترة . و ( على ) للاستعلاء المجازي بمعنى ( بعد ) لأنّ المستعلي يستقرّ بعد استقرار ما يستعلي هو فوقه ، فشبّه استقراره بعده باستعلائه عليه ، فاستعير له الحرف الدال على الاستعلاء .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 73 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور