وحرف الشرط من قوله :
إِنْ أَرادَ
مستعمل في مجرّد التّعليق من غير دلالة على الاستقبال ، لأنّ إهلاك أمّ المسيح قد وقع بلا خلاف ، ولأنّ إهلاك المسيح ، أي موته واقع عند المجادلين بهذا الكلام ، فينبغي إرخاء العنان لهم في ذلك لإقامة الحجّة ، وهو أيضا واقع في قول عند جمع من علماء الإسلام الّذين قالوا : إنّ اللّه أماته ورفعه دون أن يمكّن اليهود منه ، كما تقدّم عند قوله تعالى :
وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ
[ النساء : 157 ] ، وقوله :
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ
[ آل عمران : 55 ] . وعليه فليس في تعليق هذا الشرط إشعار بالاستقبال . والمضارع المقترن بأن وهو
أَنْ يُهْلِكَ
مستعمل في مجرّد المصدرية .
والمراد ب
مَنْ فِي الْأَرْضِ
حينئذ من كان في زمن المسيح وأمّه من أهل الأرض فقد هلكوا كلّهم بالضرورة . والتّقدير : من يملك أن يصدّ اللّه إذ أراد إهلاك المسيح وأمّه ومن في الأرض يومئذ .
ولك أن تلتزم كون الشرط للاستقبال باعتبار جعل
مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
بمعنى نوع الإنسان ، فتعليق الشرط باعتبار مجموع مفاعيل
يُهْلِكَ
على طريقة التغليب ؛ فإنّ بعضها وقع هلكه وهو أمّ المسيح ، وبعضها لم يقع وسيقع وهو إهلاك من في الأرض جميعا ، أي إهلاك جميع النّوع ، لأنّ ذلك أمر غير واقع ولكنّه ممكن الوقوع .
والحاصل أنّ استعمال هذا الشرط من غرائب استعمال الشروط في العربية ، ومرجعه إلى استعمال صيغة الشرط في معنى حقيقي ومعنى مجازي تغليبا للمعنى الحقيقي ، لأنّ
مَنْ فِي الْأَرْضِ
يعمّ الجميع وهو الأكثر . ولم يعطه المفسّرون حقّه من البيان . وقد هلكت مريم أمّ المسيح - عليهما السّلام - في زمن غير مضبوط بعد رفع المسيح .
والتذييل بقوله :
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ
فيه تعظيم شأن اللّه تعالى . وردّ آخر عليهم بأنّ اللّه هو الّذي خلق السماوات والأرض وملك ما فيها من قبل أن يظهر المسيح ، فاللّه هو الإله حقّا ، وأنّه يخلق ما يشاء ، فهو الّذي خلق المسيح خلقا غير معتاد ، فكان موجب ضلال من نسب له الألوهية . وكذلك قوله :
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
.
[ 18 ]
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 18 ]
وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 18 )