تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
محالة . فتبيّن بهذا أنّ قوله :
إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
روعي فيه النهي عن المجموع لكراهية بعض ذلك المجموع . والمقصود من هذا استئناسهم للإعراض عن نحو هذه المسائل ، وإلّا فإنّ النهي غير مقيّد بحال ما يسوءهم جوابه ، بدليل قوله بعده
عَفَا اللَّهُ عَنْها
. لأنّ العفو لا يكون إلّا عن ذنب وبذلك تعلم أنّه لا مفهوم للصفة هنا لتعذّر تمييز ما يسوء عمّا لا يسوء . وجملة
وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ
عطف على جملة
لا تَسْئَلُوا
، وهي تفيد إباحة السؤال عنها على الجملة لقوله :
وَإِنْ تَسْئَلُوا
فجعلهم مخيّرين في السؤال عن أمثالها ، وأنّ ترك السؤال هو الأولى لهم ، فالانتقال إلى الإذن رخصة وتوسعة ، وجاء ب
إِنْ
للدلالة على أنّ الأولى ترك السؤال عنها لأنّ الأصل في ( إن ) أن تدلّ على أنّ الشرط نادر الوقوع أو مرغوب عن وقوعه . وقوله :
حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ
ظرف يجوز تعلّقه بفعل الشرط وهو
تَسْئَلُوا
، ويجوز تعلّقه بفعل الجواب وهو
تُبْدَ لَكُمْ
، وهو أظهر إذ الظاهر أنّ حين نزول القرآن لم يجعل وقتا لإلقاء الأسئلة بل جعل وقتا للجواب عن الأسئلة . وتقديمه على عامله للاهتمام ، والمعنى أنّهم لا ينتظرون الجواب عمّا يسألون عنه إلّا بعد نزول القرآن ، لقوله تعالى :
قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ
- إلى قوله -
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
[ الأنعام : 50 ] فنبّههم اللّه بهذا على أنّ النبي يتلقّى الوحي من علّام الغيوب . فمن سأل عن شيء فلينتظر الجواب بعد نزول القرآن ، ومن سأل عند نزول القرآن حصل جوابه عقب سؤاله . ووقت نزول القرآن يعرفه من يحضر منهم مجلس النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - فإنّ له حالة خاصّة تعتري الرسول - صلى اللّه عليه وسلّم - يعرفها الناس ، كما ورد يعلى بن أمية في حكم العمرة . ومما يدلّ لهذا ما وقع في حديث أنس من رواية ابن شهاب في « صحيح مسلم » أنّ رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - صلّى لهم صلاة الظهر فلما سلّم قام على المنبر فذكر الساعة وذكر أنّ قبلها أمورا عظاما ثم قال : من أحبّ أن يسألني عن شيء فليسألني عنه فو اللّه لا تسألونني عن شيء إلّا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا . ثم قال : « لقد عرضت عليّ الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط فلم أر كاليوم في الخير والشر » الحديث ، فدلّ ذلك على أنّ رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - كان ذلك الحين في حال نزول وحي عليه . وقد جاء في رواية موسى بن أنس عن أبيه أنس أنّه أنزل عليه حينئذ قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ
الآية . فتلك لا محالة ساعة نزول القرآن واتّصال الرسول - عليه الصلاة والسلام - بعالم