تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
ليست في شؤون الدين ولكنّها في شؤون ذاتية خاصّة بهم ، فنهوا أن يشغلوا الرسول بمثالها بعد أن قدّم لهم بيان مهمّة الرسول بقوله تعالى :
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ
[ المائدة : 99 ] الصالح لأن يكون مقدّمة لمضمون هذه الآية ولمضمون الآية السابقة ، وهي قوله :
قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ
[ المائدة : 100 ] فالآيتان كلتاهما مرتبطتان بآية
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ
[ المائدة : 99 ] ، وليست إحدى هاتين الآيتين بمرتبطة بالأخرى . وقد اختلفت الروايات في بيان نوع هذه الأشياء المسؤول عنها والصحيح من ذلك حديث موسى بن أنس بن مالك عن أبيه في « الصحيحين » قال : سأل الناس رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - حتى أحفوه بالمسألة ، فصعد المنبر ذات يوم فقال : « لا تسألونني عن شيء إلّا بيّنت لكم » ، فأنشأ رجل كان إذا لاحى يدعى لغير أبيه ، فقال : يا رسول اللّه من أبي قال : أبوك حذافة ( أي فدعاه لأبيه الذي يعرف به ) ، والسائل هو عبد اللّه بن حذافة السّهمي ، كما ورد في بعض روايات الحديث . وفي رواية لمسلم عن أبي موسى : فقام رجل آخر فقال من أبي ، قال : أبوك سالم مولى شيبة . وفي بعض روايات هذا الخبر في غير الصحيح عن أبي هريرة أنّ رجلا آخر قام فقال : أين أبي . وفي رواية : أين أنا ؟ فقال : في النار . وفي « صحيح البخاري » عن ابن عبّاس قال : كان قوم ، أي من المنافقين ، يسألون رسول اللّه استهزاء فيقول الرجل تضلّ ناقته : أين ناقتي ، ويقول الرجل : من أبي ، ويقول المسافر : ما ذا ألقى في سفري ، فأنزل اللّه فيهم هذه الآية :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
. قال الأئمّة : وقد انفرد به البخاري . ومحمله أنّه رأي من ابن عباس ، وهو لا يناسب افتتاح الآية بخطاب الذين آمنوا اللهمّ إلّا أن يكون المراد تحذير المؤمنين من نحو تلك المسائل عن غفلة من مقاصد المستهزئين ، كما في قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا
[ البقرة : 104 ] ، أو أريد بالذين آمنوا الذين أظهروا الإيمان ، على أنّ لهجة الخطاب في الآية خالية عن الإيماء إلى قصد المستهزئين ، بخلاف قوله :
لا تَقُولُوا راعِنا
[ البقرة : 104 ] فقد عقّب بقوله :
وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ
[ البقرة : 104 ] . و روى الترمذي والدارقطني عن علي بن أبي طالب لمّا نزلت
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
[ آل عمران : 97 ] قالوا : يا رسول اللّه في كلّ عام ، فسكت ، فأعادوا . فقال : لا ، ولو قلت : نعم لوجبت ، فأنزل اللّه
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ