تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
وقد اتّفق علماء السنّة على أنّ ما دون الرّضا بالكفر وممالاتهم عليه من الولاية لا يوجب الخروج من الربقة الإسلاميّة ولكنّه ضلال عظيم ، وهو مراتب في القوّة بحسب قوّة الموالاة وباختلاف أحوال المسلمين . وأعظم هذه المراتب القضية الّتي حدثت في بعض المسلمين من أهل غرناطة الّتي سئل عنها فقهاء غرناطة : محمد الموّاق ، ومحمد بن الأرزق ، وعليّ بن داود ، ومحمد الجعدالة ، ومحمد الفخار ، وعليّ القلصادي ، وأبو حامد بن الحسن ، ومحمد بن سرحونة ، ومحمد المشذّالي ، وعبد اللّه الزليجي ، ومحمد الحذام ، وأحمد بن عبد الجليل ، ومحمد بن فتح ، ومحمد بن عبد البرّ ، وأحمد البقني ، عن عصابة من قواد الأندلس ، وفرسانهم لجئوا إلى صاحب قشتالة ( بلاد النصارى ) بعد كائنة ( اللّسانة ) - كذا - واستنصروا به على المسلمين واعتصموا بحبل جواره وسكنوا أرض النّصارى فهل يحلّ لأحد من المسلمين مساعدتهم ولأهل مدينة أو حصن أن يأووهم . فأجابوا بأنّ ركونهم إلى الكفار واستنصارهم بهم قد دخلوا به في وعيد قوله تعالى :
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
فمن أعانهم فهو معين على معصية اللّه ورسوله ، هذا ما داموا مصرّين على فعلهم فإن تابوا ورجعوا عمّا هم عليه من الشقاق والخلاف فالواجب على المسلمين قبولهم « 1 » . فاستدلالهم في جوابهم بهذه الآية يدلّ على أنّهم تأوّلوها على معنى أنّه منهم في استحقاق المقت والمذمة ، وهذا الّذي فعلوه ، وأجاب عنه الفقهاء هو أعظم أنواع الموالاة بعد موالاة الكفر . وأدنى درجات الموالاة المخالطة والملابسة في التّجارة ونحوها . ودون ذلك ما ليس بموالاة أصلا ، وهو المعاملة . وقد عامل النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم يهود خيبر مساقاة على نخل خيبر ، وقد بيّنّا شيئا من تفصيل هذا عند قوله تعالى :
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
في سورة آل عمران [ 28 ] . وجملة
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
تذييل للنّهي ، وعموم القوم الظّالمين شمل اليهود والنّصارى ، وموقع الجملة التذييلية يقتضي أنّ اليهود والنّصارى من القوم الظّالمين بطريق الكناية . والمراد بالظّالمين الكافرون . وقوله :
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ
تفريع لحالة من موالاتهم أريد وصفها للنّبي صلى اللّه عليه وسلّم لأنّها وقعت في حضرته . والمرض هنا أطلق على النفاق كما تقدّم
هامش
( 1 ) انظر « جامع المعيار » .