تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
فإنّ شأن الإيمان أن لا يقاول النّاس على اتّباعه كما قدّمناه آنفا . والمقصود مع ذلك تحذير المسلمين من توهّم ذلك . ولذلك فرّع عليه قوله :
فَإِنْ تَوَلَّوْا
، أي فإن حكمت بينهم بما أنزل اللّه ولم تتّبع أهواءهم وتولّوا فاعلم ، أي فتلك أمارة أنّ اللّه أراد بهم الشّقاء والعذاب ببعض ذنوبهم وليس عليك في تولّيهم حرج . وأراد ببعض الذنوب بعضا غير معين ، أي أنّ بعض ذنوبهم كافية في إصابتهم وأنّ تولّيهم عن حكمك أمارة خذلان اللّه إيّاهم . وقد ذيّله بقوله :
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ
ليهون عنده بقاؤهم على ضلالهم إذ هو شنشنة أكثر النّاس ، أي وهؤلاء منهم فالكلام كناية عن كونهم فاسقين . [ 50 ]

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 50 ]

أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 50 ) فرّعت الفاء على مضمون قوله :
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ
[ المائدة : 49 ] إلخ استفهاما عن مرادهم من ذلك التولّي ، والاستفهام إنكاري ، لأنّهم طلبوا حكم الجاهليّة . وحكم الجاهليّة هو ما تقرّر بين اليهود من تكايل الدّماء الّذي سرى إليهم من أحكام أهل يثرب ، وهم أهل جاهلية ، فإنّ بني النضير لم يرضوا بالتساوي مع قريظة كما تقدّم ؛ وما وضعوه من الأحكام بين أهل الجاهلية ، وهو العدول عن الرجم الّذي هو حكم التّوراة . وقرأ الجمهور
يَبْغُونَ
- بياء الغائب - ، والضمير عائد ل
مَنْ
من قوله :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
[ المائدة : 47 ] . وقرأ ابن عامر - بتاء الخطاب - على أنّه خطاب لليهود على طريقة الالتفات . والواو في قوله :
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً
واو الحال ، وهو اعتراض ، والاستفهام إنكاري في معنى النفي ، أي لا أحسن منه حكما . وهو خطاب للمسلمين ، إذ لا فائدة في خطاب اليهود بهذا . وقوله :
لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
اللام فيه ليست متعلّقة ب
حُكْماً
إذ ليس المراد بمدخولها المحكوم لهم ، ولا هي لام التّقوية لأنّ
لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
ليس مفعولا ل
حُكْماً
في المعنى . فهذه اللام تسمّى لام البيان ولام التبيين ، وهي الّتي تدخل على المقصود من الكلام سواء كان خبرا أم إنشاء ، وهي الواقعة في نحو قولهم : سقيا لك ، وجدعا له ، وفي الحديث « تبّا وسحقا لمن بدّل بعدي » ، وقوله تعالى :
هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ
[ المؤمنون : 36 ]
حاشَ لِلَّهِ *
[ يوسف : 51 ] . وذلك أنّ المقصود التّنبيه على المراد من الكلام .