تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
بِالْعُقُودِ
فتأويله أنّ مجموع الكلام تفصيل لا خصوص جملة
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
؛ فإنّ إباحة الأنعام ليست عقدا يجب الوفاء به إلّا باعتبار ما بعده من قوله : « إلّا ما يتلى عليكم » . وباعتبار إبطال ما حرّم أهل الجاهلية باطلا ممّا شمله قوله تعالى :
ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ
[ المائدة : 103 ] الآيات . والقول عندي أنّ جملة
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
تمهيد لما سيرد بعدها من المنهيات : كقوله :
غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ
وقوله :
وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى
[ المائدة : 2 ] التي هي من عقود شريعة الإسلام فكان الابتداء بذكر بعض المباح امتنانا وتأنيسا للمسلمين ، ليتلقّوا التكاليف بنفوس مطمئنّة ؛ فالمعنى : إن حرّمنا عليكم أشياء فقد أبحنا لكم أكثر منها ، وإن ألزمناكم أشياء فقد جعلناكم في سعة من أشياء أوفر منها ، ليعلموا أنّ اللّه ما يريد منهم إلّا صلاحهم واستقامتهم . فجملة
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
مستأنفة استئنافا ابتدائيا لأنّها تصدير للكلام بعد عنوانه . والبهيمة : الحيوان البرّي من ذوي الأربع إنسيّها ووحشيّها ، عدا السباع ، فتشمل بقر الوحش والظباء . وإضافة بهيمة إلى الأنعام من إضافة العامّ للخاصّ ، وهي بيانية كقولهم : ذباب النحل ومدينة بغداد . فالمراد الأنعام خاصّة ، لأنّها غالب طعام الناس ، وأمّا الوحش فداخل في قوله :
غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ
، وهي هنا لدفع توهّم أن يراد من الأنعام خصوص الإبل لغلبة إطلاق اسم الأنعام عليها ، فذكرت ( بهيمة ) لشمول أصناف الأنعام الأربعة : الإبل ، والبقر ، والغنم ، والمعز . والإضافة البيانيّة على معنى ( من ) التي للبيان ، كقوله تعالى :
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ
[ الحج : 30 ] . والاستثناء في قوله :
إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ
من عموم الذوات والأحوال ، وما يتلى هو ما سيفصّل عند قوله :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
[ المائدة : 3 ] ، وكذلك قوله :
غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ
، الواقع حالا من ضمير الخطاب في قوله :
أُحِلَّتْ لَكُمْ
، وهو حال مقيّد معنى الاستثناء من عموم أحوال وأمكنة ، لأنّ الحرم جمع حرام مثل رداح على ردح . وسيأتي تفصيل هذا الوصف عند قوله تعالى :
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ
في هذه السورة [ 97 ] . والحرام وصف لمن أحرم بحجّ أو عمرة ، أي نواهما . ووصف أيضا لمن كان حالا في الحرم ، ومن إطلاق المحرم على الحالّ بالحرم قول الراعي :