أعقب الاعتذار الذي تقدّم بقوله :
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
[ النساء : 26 ] بالتذكير بأنّ اللّه لا يزال مراعيا رفقه بهذه الأمّة وإرادته بها اليسر دون العسر ، إشارة إلى أنّ هذا الدين بيّن حفظ المصالح ودرء المفاسد ، في أيسر كيفية وأرفقها ، فربما ألغت الشريعة بعض المفاسد إذا كان في الحمل على تركها مشقّة أو تعطيل مصلحة ، كما ألغت مفاسد نكاح الإماء نظرا للمشقّة على غير ذي الطول . والآيات الدالّة على هذا المعنى بلغت مبلغ القطع كقوله :
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
[ الحج :
78 ] وقوله :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
[ البقرة : 185 ] وقوله :
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ
[ الأعراف : 157 ] ،
وفي الحديث الصحيح : « إنّ هذا الدين يسر ولن يشادّ هذا الدين أحد إلّا غلبه »
، وكذلك كان يأمر أصحابه الذين يرسلهم إلى بثّ الدين ؛ فقال لمعاذ وأبي موسى : « يسّرا ولا تعسّرا » وقال : ( إنما بعثتم مبشرين لا منفرين ) . وقال لمعاذ لمّا شكا بعض المصلّين خلفه من تطويله « أفتّان أنت » . فكان التيسير من أصول الشريعة الإسلامية ، وعنه تفرّعت الرخص بنوعيها .
وقوله :
وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
تذييل وتوجيه للتخفيف ، وإظهار لمزية هذا الدين وأنّه أليق الأديان بالناس في كلّ زمان ومكان ، ولذلك فما مضى من الأديان كان مراعى فيه حال دون حال ، ومن هذا المعنى قوله تعالى :
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً
الآية في سورة الأنفال [ 66 ] . وقد فسّر بعضهم الضعف هنا بأنّه الضعف من جهة النساء . قال طاوس « ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء » وليس مراده حصر معنى الآية فيه ، ولكنّه ممّا روعي في الآية لا محالة ، لأنّ من الأحكام المتقدّمة ما هو ترخيص في النكاح .
[ 29 ، 30 ]
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 29 إلى 30 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ( 29 ) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 30 )
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ
.
استئناف من التشريع المقصود من هذه السورة . وعلامة الاستئناف افتتاحه ب
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
، ومناسبته لما قبله أنّ أحكام المواريث والنكاح اشتملت على أوامر بإيتاء