تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
الشَّهَواتِ
[ النساء : 27 ] ، أي الاسترسال على ما كانوا عليه في الجاهلية ، فأعقب ذلك ببيان أنّ في ذلك بيانا وهدى . حتّى لا تكون شريعة هذه الأمّة دون شرائع الأمم التي قبلها ، بل تفوقها في انتظام أحوالها ، فكان هذا كالاعتذار على ما ذكر من المحرّمات . فقوله :
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ
تعليل لتفصيل الأحكام في مواقع الشبهات كيلا يضلّوا كما ضلّ من قبلهم ، ففيه أنّ هذه الشريعة أهدى ممّا قبلها . وقوله :
وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
بيان لقصد إلحاق هذه الأمّة بمزايا الأمم التي قبلها . والإرادة : القصد والعزم على العمل ، وتطلق على الصفة الإلهيّة التي تخصّص الممكن ببعض ما يجوز عليه . والامتنان بما شرعه اللّه للمسلمين من توضيح الأحكام قد حصلت إرادته فيما مضى ، وإنّا عبّر بصيغة المضارع هنا للدلالة على تجدّد البيان واستمراره ، فإنّ هذه التشريعات دائمة مستمرّة تكون بيانا للمخاطبين ولمن جاء بعدهم ، وللدلالة على أنّ اللّه يبقي بعدها بيانا متعاقبا . وقوله :
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ
انتصب فعل
( لِيُبَيِّنَ )
بأن المصدرية محذوفة ، والمصدر المنسبك مفعول
( يُرِيدُ )
، أي يريد اللّه البيان لكم والهدى والتوبة ، فكان أصل الاستعمال ذكر ( أن ) المصدرية ، ولذلك فاللام هنا لتوكيد معنى الفعل الذي قبلها ، وقد شاعت زيادة هذه اللّام بعد مادّة الإرادة وبعد مادّة الأمر معاقبة لأن المصدرية . تقول ، أريد أن تفعل وأريد لتفعل ، وقال تعالى :
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ
[ التوبة : 32 ] وقال :
يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ
[ الصف : 8 ] وقال :
وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
[ غافر : 66 ] وقال :
وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ
[ الشورى : 15 ] فإذا جاءوا باللّام أشبهت لام التعليل فقدّروا ( أن ) بعد اللام المؤكّدة كما قدروها بعد لام كي لأنّها أشبهتها في الصورة ، ولذلك قال الفرّاء : اللام نائبة عن أن المصدرية . وإلى هذه الطريقة مال صاحب « الكشاف » . وقال سيبويه : هي لام التعليل أي لام كي ، وأنّ ما بعدها علّة ، ومفعول الفعل الذي قبلها محذوف يقدّر بالقرينة ، أي يريد اللّه التحليل والتحريم ليبيّن . ومنهم من قرّر قول سيبويه بأنّ المفعول المحذوف دلّ عليه التعليل المذكور فيقدّر : يريد اللّه البيان ليبيّن ، فيكون الكلام مبالغة بجعل العلّة نفس المعلّل . وقال الخليل ، وسيبويه في رواية عنه : اللّام ظرف مستقرّ هو خبر عن الفعل السابق ،