تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
عليها الفتاة كما أطلق عليها الجارية ، وعلى العبد الغلام ، وهو مجاز بعلاقة اللزوم ، لأنّ العبد والأمة يعاملان معاملة الصغير في الخدمة ، وقلّة المبالاة . ووصف المؤمنات عقب الفتيات مقصود للتقييد عند كافّة السلف ، وجمهور أئمّة الفقه ، لأنّ الأصل أن يكون له مفهوم ، ولا دليل يدلّ على تعطيله ، فلا يجوز عندهم نكاح أمة كتابية . والحكمة في ذلك أنّ اجتماع الرقّ والكفر يباعد المرأة عن الحرمة في اعتبار المسلم ، فيقلّ الوفاق بينهما ، بخلاف أحد الوصفين . ويظهر أثر ذلك في الأبناء إذ يكونون أرقّاء مع مشاهدة أحوال الدّين المخالف فيمتدّ البون بينهم وبين أبيهم . وقال أبو حنيفة : موقع وصف المؤمنات هنا كموقعه مع قوله :
الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ
، فلم يشترط في نكاح الأمة كونها مؤمنة ، قال أبو عمر بن عبد البرّ : ولا أعرف هذا القول لأحد من السلف إلّا لعمرو بن شرحبيل - وهو تابعيّ قديم روى عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ؛ ولأنّ أبا حنيفة لا يرى إعمال المفهوم . وتقدّم آنفا معنى
مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
. والإضافة في قوله :
أَيْمانُكُمْ
وقوله :
مِنْ فَتَياتِكُمُ
للتقريب وإزالة ما بقي في نفوس العرب من احتقار العبيد والإماء والترفّع عن نكاحهم وإنكاحهم ، وكذلك وصف المؤمنات ، وإن كنّا نراه للتقيد فهو لا يخلو مع ذلك من فائدة التقريب ، إذ الكفاءة عند مالك تعتمد الدين أوّلا . وقوله :
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ
اعتراض جمع معاني شتّى ، أنّه أمر ، وقيد للأمر في قوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا
إلخ ؛ وقد تحول الشهوة والعجلة دون تحقيق شروط اللّه تعالى ، فأحالهم على إيمانهم المطّلع عليه ربّهم . ومن تلك المعاني أنّه تعالى أمر بنكاح الإماء عند العجز عن الحرائر ، وكانوا في الجاهلية لا يرضون بنكاح الأمة وجعلها حليلة ، ولكن يقضون منهنّ شهواتهم بالبغاء ، فأراد اللّه إكرام الإماء المؤمنات ، جزاء على إيمانهنّ ، وإشعارا بأنّ وحدة الإيمان قرّبت الأحرار من العبيد ، فلمّا شرع ذلك كلّه ذيّله بقوله :
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ
، أي بقوّته ، فلمّا كان الإيمان ، هو الذي رفع المؤمنين عند اللّه درجات كان إيمان الإماء مقنعا للأحرار بترك الاستنكاف عن تزوجهنّ ، ولأنّه ربّ أمة يكون إيمانها خيرا من إيمان رجل حرّ ، وهذا كقوله
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
[ الحجرات : 13 ] . وقد أشار إلى هذا الأخير صاحب « الكشاف » ، وابن عطية . وقوله :
بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ
تذييل ثان أكّد به المعنى الثاني المراد من قوله :
وَاللَّهُ